fbpx
الصباح الـتـربـوي

التلاميذ والكتاب … مسافة ألف ميل

تجربة المكتبات المتنقلة لتقريب الناشئة من فعل القراءة ممولة من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية

تطلق عدد من المدن المغربية مبادرات لتشجيع القراءة في صفوف التلاميذ والأطفال وتجاوز الخصاص المهول، الذي تراكم على مدى سنوات، لغياب أولا ثقافة القراءة في الأسرة والمجتمع، ثم للنقص الحاد في المؤسسات والفضاءات الحاضنة لهذا الفعل، وأيضا بسبب عوامل موضوعية أخرى تتعلق بتشبث الناشئة بوسائل التكنولوجيات الحديثة على حساب الكتاب.
على مستوى الأرقام، يستقر المعدل الوطني في مجال القراءة (في صفوف التلاميذ المغاربة) في 359 نقطة، مقابل معدل دولي بلغ 487 نقطة، في حين تسجل الصين أحسن ترتيب دولي 555 نقطة، وهي نتيجة متوقعة بالنظر إلى الوضعية المتردية للقراءة عموميا في البلد، ما تؤكده عدد من الدراسات والبحوث في هذا المجال.
ففي تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يحتل المغرب الرتبة 162 في لائحة القراءة والكتابة. ويصل عدد دور النشر 32 دارا، ويصدر عنها مجتمعة 1000 عنوان سنويا، وتطبع من كل كتاب 3000 نسخة، ولا تباع منه إلا 2000 نسخة في ثماني سنوات، ناهيك عن أن نسبة القراءة في المغرب، لا تتجاوز 2 في المائة للكتب، بمعدل قراءة لا يتجاوز دقيقتين في اليوم، بينما لا تزيد نسبة المقروئية للصحف على ثلاث عشرة صحيفة لكل ألف مواطن، ما انعكس على حالة الركود التي تشهدها المكتبات العامة وأماكن بيع الكتب وأكشاك الجرائد والمجلات.
ولتجسير المسافة بين التلاميذ والكتاب، انخرطت مديريات جهوية ومندوبيات للتعليم بشراكة مع هيآت في المجتمع المدني والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية في مشاريع تربوية لإعادة صياغة علاقة جديدة بين التلاميذ والكتاب، وفق مناهج ومقاربات مختلفة تراعي التراكم السلبي في هذه العلاقة، وتسعى إلى ترسيخ حب القراءة رويدا، عبر تجارب مختلفة أهمها المكتبات المتنقلة.
فبعد مشروع المكتبة المتنقلة بابن جرير، أشرف عامل عمالة مقاطعة عين الشق وبشرى أعرف، المديرة الإقليمية لوزارة التربية الوطنية، الخميس الماضي، على تسليم مفاتيح مشروع وحدة مكتبية متنقلة لرئيس جمعية إبداع للثقافة، حاملة مشروعا ممولا من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
وقام العامل والوفد المرافق له بجولة داخل الوحدة المكتبية، واطلع على نوعية الكتب والقصص المتوفرة وأعطى توجيهاته لحامل المشروع حتى يجوب هذه الوحدة المتنقلة جميع المؤسسات التعليمية الابتدائية التابعة لتراب عمالة مقاطعة عين الشق لتمكين جميع تلاميذ السلك الابتدائي من الاستفادة من هذه المبادرة الأولى من نوعها على مستوى الإقليم، التي رأت النور بفضل اتفاقية الشراكة والتعاون المبرمة بين المديرية الإقليمية للوزارة بعمالة مقاطعة عين الشق وجمعية إبداع، وبدعم مالي من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، حيث بلغت الكلفة الإجمالية للمشروع ما يناهز 850 ألف درهم.
ويساهم المشروع، حسب ورقة الأهداف، في ترسيخ حب القراءة في نفوس المتعلمين وتنمية رصيدهم اللغوي والمعرفي، من خلال استفادة المؤسسات التعليمية التابعة للمديرية الإقليمية من المكتبة المتنقلة، التي انطلقت من مدرسة المنظر العام الابتدائية وستواصل جولتها الأولى إلى غاية 03 يونيو 2020، إذ من المقرر أن يستفيد حوالي 10 آلاف تلميذ من المبادرة.

مبادرة أخرى بابن جرير
أطلقت جمعية بوصلة للأعمال الاجتماعية، السنة الماضية، مشروعها الخاصة بإحداث مكتبة متنقلة، وبتمويل من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
ويتوخى المشروع (عبارة عن مكتبة متنقلة موضوعة فوق سيارة تجوب ضواحي المدينة وتجمعات السكان والمؤسسات التربوية) دمقرطة الولوج إلى الأنشطة المدرسية الموازية ومن ضمنها القراءة، وضمان جاذبية التعلم ومحاربة الهدر المدرسي.
وذكرت الجمعية الحاملة للمشروع بالدور الهام للكتاب وسيلة لبث العلم وحفز العيش المشترك، وتكريس ثقافة استثمار أوقات الفراغ لدى أفراد المجتمع، والمساهمة في حماية الشباب من الانحراف، بالإضافة إلى دوره في خلق أجواء ثقافية وترفيهية.
يوسف الساكت

حوار مع رئيس جمعية إبداع للثقافة والتواصل: عبد الوهاب خلاد

> كيف جاءت فكرة مكتبة متنقلة، وفي أي سياق تربوي وتعليمي بالضبط؟
> فكرة المشروع جاءت غداة الاحتفال بيوم شجرة الكتاب في 2018 بمقاطعة عين الشق، إذ تطور النقاش حول أزمة القراءة، خصوصا في أوساط الناشئة إلى التفكير في آليات بديلة للبنيات الكلاسيكية القارة والثابتة الحاضنة للكتاب والمختزلة لقيمة القراءة.
وفي هذا الإطار، بلورت الجمعية مقترح تقريب الكتاب من القارئ الصغير في إطار برنامج تربوي يستدعي مجموعة من القيم، وعلى رأسها قيمة القراءة والبحث والارتباط بالكتاب، من أجل تحقيق هدف أسمى، وهو تنشئة مواطن مرتبط بالمعرفة التي تعزز بالضرورة السلوك المدني.
مشروع الوحدة المتنقلة للكتاب والقراءة تم تنزيله بشراكة مع برنامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بعمالة مقاطعة عين الشق ضمن تصور مندمج يجعل من القراءة خصوصا، والمعرفة عموما، رافعة للتنمية البشرية من مدخل التنشئة الاجتماعية المسنودة بحمولة قيمية تنهل من هويتنا الوطنية ومن القيم الإنسانية في كونيتها.

> ألا تخافون من أنكم تنافسون مؤسسات رسمية أخرى لها الدور نفسه في رفع نسبة المقروئية؟
> على العكس تماما، هذا مجال تعتبر فيه المنافسة مطلوبة إلى أقصى الحدود في ظل احترام الشروط والضوابط التربوية. فالمشروع يجد مبرراته أساسا في نقص البنيات الحاضنة للكتاب والقادرة على تقريبه من الأطفال مع تعزيز اقبالهم على تمرين القراءة في إطار مشاريع تنشيطية تربط القراءة والبحث بالمتعة والترفيه. لأن المطلوب هو تحقيق أهداف تتكامل في ما بينها على مستوى تعزيز كفايات الأطفال. وبالتالي فالحاجة ملحة إلى الإكثار من المبادرات الحاملة لهذا النوع من المشاريع.

> ما هي خصوصيات منطقة مثل عين الشق، وألا تفكرون في تعميم التجربة؟
> منطقة عين الشق ممتدة جغرافيا، وقد عرفت تطورا عمرانيا وديمغرافيا كبيرا حولها إلى فسيفساء اجتماعية تستدعي استحضار هذا التنوع المتعدد المظاهر على مستوى آليات التدخل.
وبالتالي، يمكن الحديث عن منطقة تجمع بين مظاهر الهشاشة الاجتماعية في أحياء معينة، والوضعيات الاقتصادية المريحة، التي تكفل وسائل الراحة والترفيه في أحياء أخرى.
ويتم التدخل وفق منطق الأولويات على مستوى مناطق التدخل وعلى مستوى الخصاص في بنيات التأطير، علما أن الأطفال، مهما اختلفت وضعياتهم الاجتماعية، يتقاسمون الاحتياجات نفسها والمهام المحلية. فهم يتقاسمون احتياجات أفقية تعمل الجمعية على صياغة وتنزيل مشاريعها وفقها، مع مراعاة الخصوصيات بطبيعة الحال في إطار مقاربة فوقية.
والجمعية، و اعتبارا للخصاص الذي يبرر المشروع بالموازاة مع النمو الديمغرافي الكبير الذي عرفته منطقة عين الشق، ستعمل على توسيع التجربة من خلال الوسائل ومناطق التدخل. علما أن القافلة ستستهدف في مرحلة أولى 10 آلاف تلميذة وتلميذ بمؤسسات التعليم الابتدائي في إطار برنامج مشترك مع مديرية وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي بعين الشق.

أجرى الحوار: ي . س

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق