fbpx
الأولى

حديث الصباح: الريسوني… من الدعوة إلى الفتنة

 

يعتقد أن وجود العدالة والتنمية في رئاسة الحكومة يوفر له الحماية من المتابعة القضائية

 

لا شك أن المستهدف من تحريض المحرضين باسم الدين هو النظام والدولة. لهذا نجد الإسلاميين والمتأسلمين يفترون ويلفقون، ومنهم من يتشبث بالعضوية في رابطة علماء  المغرب التي حُلّت، ولم يعد لها وجود، كما هو حال السيد إدريس كرم. وهذا بؤس فكري وأخلاقي  يعانيه أيضا الدكتور الريسوني الذي يشن حربا ضد الدولة، لأنها حلت الرابطة إياها بعدما تأكد لديها أنها باتت أداة بيد الخارجين عن المذهب المالكي لفرض أنماط تدينهم على المغاربة. لهذا توالت تصريحات الدكتور الريسوني التي خرجت عن السياق «الدعوي» لتصب في سياق التهييج والفتنة. وكان مقاله المنشور بجريدة مغربية بتاريخ 30 يوليوز الماضي في حق العلمانيين، والأوصاف القدحية والتكفيرية التي نعتهم بها، مقدمة لحملة تشهيرية تقود حتما إلى إثارة الفتنة بين المواطنين. فالرجل لم يغير موقفه من هذه الفئة، كما لم يعدل قناعته والعقائد المتشددة التي يعتنقها منذ أمد بعيد، ذلك أن الريسوني لم يستوعب طبيعة اللحظة التاريخية التي يعيشها المغرب مؤطرا بدستور 2011 الذي صوتت لصالحه حركة التوحيد والإصلاح التي هو عضو مكتبها التنفيذي.  فحين يفتي  الريسوني بالكفر، ويحرض على الفتنة، فهو لا يخرج عن أحد الاحتمالين:
الأول: أن الريسوني ما زال يعيش أجواء الصراع حول مشروع خطة إدماج المرأة في التنمية والبيان الذي أصدره في موضوع إخراج أصحاب المشروع من دائرة الإيمان بعد اتهامهم بالعمالة للصهيونية والتآمر على دين الإسلام ووحدة الأمة/الشعب. ولم يغير موقفه منذ تلك اللحظة التي تحالف فيها مع وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السابق، المدغري، ضد التيار الحداثي/الديمقراطي.
الثاني: أن الريسوني يعتقد أن وجود حزب العدالة والتنمية في رئاسة الحكومة يوفر له كل الحماية من أي متابعة قضائية على خلفية تهجمه أو تكفيره لخصوم الحزب الذين يتهمهم الحزب نفسه بعرقلة عمل الحكومة والتشويش عليها بإثارة معارك حول الحريات الفردية. والريسوني، في هذه الحالة، يتكامل الأدوار ويتبادلها مع الحزب الذي، بحكم المسؤولية الحكومية، لا يستطيع إصدار فتاوى ضد خصومه الحداثيين؛ وهي المهمة التي تولاها الريسوني.
وفي الحالتين معا، لا يجد الريسوني غضاضة في استعمال سلاح الدين لتصفية حسابات سياسية لم يستطع الحزب حسمها أو تدبيرها بالطرق الديمقراطية. لأجل هذا، كتب مشنعا بالتيار الحداثي «إذا كان عندنا شيعة يُقَدَّرون بمئات أو بضعة آلاف على الأكثر، فعندنا أضعاف أضعافهم من الملحدين، فلمَ تهتمون بالمد الشيعي ولا تهتمون بالمد الإلحادي؟! ثم إن الملحدين في بلدي خاصة لهم نفوذ وتغلغل في دواليب الدولة، ولهم سطوة في الإعلام وغيره» . فالريسوني يرى أن الخطر الحقيقي الذي يهدد المغرب ، شعبا ووطنا، هو خطر الإلحاد، ومن ثم يشرعن الحرب على «الملحدين» حيثما وجدوا، وهو هنا يحرض عناصر السلفية الجهادية على قتل العلمانيين اينما وُجدوا. أما ما يتعلق بالفساد الذي ينخر اقتصاد المغرب ويهدد الوطن في أمنه واستقراره ومستقبل ابنائه، فلا يعيره الفقيه الريسوني أهمية. لهذا جعل شعاره «الإلحاد مقدم على الفساد»، فأفتى بشن الحرب على «الإخوان الملحدين» في تناغم مع شعار «عفا الله عما سلف» الذي رفعه بنكيران لصالح المفسدين.

فاستقرار المغرب لا يهدده الذين نهبوا الملايير، ورموا بملايين المواطنين في الدرك الأسفل من الفقر والعوز، وإنما التهديد مصدره شباب عشقوا الحرية وتغنوا بها. ولا شك أن الريسوني يهدف بهذا التحريض والتشنيع إلى شرعنة الاستبداد ومصادرة حقوق المواطنة التي يضمنها الدستور والمواثيق الدولية لكل المواطنين بغض النظر عن جنسهم ومعتقدهم. فالوطن، في اعتقاد الريسوني ، لا يتسع إلا “للمسلمين”؛ أما غيرهم من المواطنين الذين لهم معتقد آخر ــ فكري أو ديني ــ فلا مكان لهم في هذا الوطن. وهذا التصور ينسجم مع الاعتقاد السائد بين غالبية الإسلاميين بأن رابطة الدين أولى من رابطة الوطن، وأن الولاء يكون للدين  دون الوطن. وبناء على هذا الاعتقاد، يُجرَّد المخالف في العقيدة أو من يحشره الإسلاميون، كرها، ضمن فئة “الملحدين” من كل حقوقه الطبيعية والسياسية؛ بحيث يٌهدر دمُه، كما يُحرم من الانخراط في سلك الوظيفة العمومية أو إدارة الشأن العام. فالدولة، حسب هذا التصور، ينبغي أن تكون مناصبها حكرا على “المؤمنين”، بمعنى أن مقياس التعيين في مناصب الدولة هو “الإيمان” وليس الكفاءة. وهذا يقود بالضرورة إلى دولة دينية عنصرية  لا دولة مدنية ديمقراطية. وهذا الاعتقاد يتقاسمه الريسوني وبنكيران، كل من موقعه الدعوي أو السياسي، ذلك أن الأستاذ بنكيران سبق له أن صرح لوكالة الأخبار الموريتانية المستقلة  في 25 يوليوز 2008، بأن التيار العلماني يتحكم في الدولة (حزب العدالة والتنمية، هو كذلك جاء من حاجة حقيقية للشعب المغربي، وهي حاجة الهوية بعد أن تحكم التيار العلماني في القرار السياسي للأمة)، ما يفيد أن حزب العدالة والتنمية جاء لتحقيق غاية محددة تتمثل في تمكين الحزب من “القرار السياسي للأمة”، أي إسناد إدارة دواليب الدولة إلى الحزب وطرد الأطر “العلمانية” خارجها.
وقد شرع الحزب، فعلا، في زرع عناصر منتمية إليه في دواليب الدولة كجزء من إستراتيجية عامة تروم اختراق أجهزة الدولة ومؤسساتها. ومن ثم، فالعلمانيون لا وطن لهم ولا أمان على حياتهم وأعراضهم وممتلكاتهم. لهذا يحق للمواطنين “العلمانيين” أن يُحذروا من مخاطر تأثير ما يصرح به الفقيه الريسوني، ويدعو إليه من كراهية على نفوس أتباع التيار الديني الذين بات رد كثير منهم على مطالب الحداثيين باحترام المرجعية الكونية لحقوق الإنسان قولهم: “إلى ما اعجبكم حال اخويو المغرب”.
وخطورة هذا الجواب تكمن في تكريس الاعتقاد بأن المغرب ليس وطنا لكل المغاربة أيا كانت معتقداتهم، بل هو وطن “للمؤمنين” فقط . وليس غريبا أن يشدد الريسوني وحركته والحزب المنبثق منها على أن يكون الإسلام هو المصدر الأعلى للتشريع؛ لأن من شأن هذا المنحى أن يلزم الحكومة بوضع تشريعات تحد من الحريات الفردية والجماعية التي يراها فقهاء الحزب والحركة  مخالفة أو مصادمة للشرع، وتلك هي الخطوة الأولى لإقامة الدولة الدينية التي سيصبح فيها الفقهاء ولاة على الحكام. حينها لن تتردد الحكومة الدينية في فرض “الجزية” على العلمانيين أو تهجيرهم خارج الوطن. ولعل طرد 800 امرأة من عين اللوح من طرف أعضاء التيار الديني، ضدا على الدستور والقانون هو مقدمة لما ستؤول إليه الأوضاع حين التمكن من الدولة والقرار السياسي. وأبرز الفصول التي يتم خرقها وإنكارها، الفصل 25 من الدستور الذي ينص على أن:”حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها”.
إن الواجب الديني والوطني يفرض على كل الدعاة وأطياف التيار الديني أن يرحموا الشعوب العربية ويجنبوها فتنة لا تبقي ولا تذر. ذلك أن المخاطر التي تتهدد أمن واستقرار تونس وليبيا ومصر والبحرين والكويت، إنما عواملها الرئيسية هم دعاة الفتنة المتشددون  والمتشيعون على حد سواء. والطرفان معا يتغذيان على الفكر الطائفي الذي ينخر وحدة الشعب ويمزق نسيجه المجتمعي والثقافي، فليس بالتفرقة والكراهية تُبنى الأوطان وتصان الحقوق. ومن سلبيات هذا “الربيع العربي” أن الاختلاف لم يعد رحمة، بل صار نقمة مع دعاة الفتنة.

بقلم : سعيد الكحل, أستاذ باحث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق