fbpx
حوادث

العياشي: الأمن القضائي الزجري وسؤال النجاعة

النجاعة أمام قضاء الموضوع لا تعني القاضي الجنائي وإنما تعني كل الأطراف المتدخلة في العملية القضائية (2/2)

بقلم: د. يونس العياشي *

إذا كان هذا الواجب أو الالتزام الأخلاقي يخص جموع المواطنين في إطار واجب التضامن، فإنه بالنسبة إلى رجل الأمن والدرك -وهو مواطن في الأصل –يصبح التزاما قانونيا ومهنيا أكثر منه التزاما أخلاقيا، فرجل القوة العمومية هو الذي يسهر على حماية الأفراد وعلى سلامتهم الجسدية، ويحول دون وقوع الجريمة وهذه هي وظيفته الأساسية التي وجد من أجلها.
ونعتقد من جانبنا أن تدخل رجال القوة العمومية يستمد شرعيته من الفقرة الأولى من الفصل 124 وكذا من الفصل 430 من القانون الجنائي، أي عندما يكون تدخله قد أوجبه القانون وأمرت به السلطة الشرعية في الدولة، ويكون بتدخله يحول دون وقوع جناية أو جنحة تمس السلامة البدنية للأشخاص، وهذه الحالة أخذت بها جل التشريعات المقارنة بما فيها القانون الفرنسي والأمريكي.
أما تبرير التدخل على أساس الدفاع الشرعي وإن كان يمكن تصوره، إلا أن أزمة الدفاع الشرعي على مستوى التناسب بين الاعتداء والدفاع قد لا تعفي رجل القوة العمومية من المساءلة.
وما قيل عن مؤسسة الدفاع الشرعي التي لا يأخذ بها القضاء المغربي إلا في حدود جد ضيقة، يصدق على حالة الضرورة أو الإكراه سواء كان ماديا أو معنويا، فالمشرع يشترط لقيامها وجود حادث مستقل عن إرادة الفاعل لا يمكنه أن يتوقعه أو يتجنبه، بمعنى يلزم أن تتوفر استحالة مادية مطلقة ناتجة عن ظرف خارج عن إرادة الفاعل أو استحالة معنوية تشل إرادة الفاعل، أي لا تقاوم.
بقية الإشارة في ختام هذه المقاربة الحقوقية التي تبرر تدخل رجال القوة العمومية ومدى شرعية استعمال سلاحهم الوظيفي في إطار النجاعة الأمنية، أن نشد بحرارة على يد رجال القوة العمومية للأخطار التي تواجههم عند مزاولتهم لمهامهم، ونترحم على أرواح من فقدوا حياتهم فداء للواجب أو أصيبوا بعاهات مستديمة لمجرد أنهم ترددوا في استعمال سلاحهم الوظيفي خوفا من أي متابعة جنائية محتملة. وصدق من قال إن البطولة ليست واجبا يفرضه القانون.
ثانيا: أي دور للنجاعة القضائية في تعزيز الأمن القضائي الزجري؟
النجاعة القضائية في الميدان الزجري، هي جوهر كل محاكمة جنائية عادلة، يمكن تعريفها وبشكل مختصر بالقول: “النجاعة القضائية تعني العدالة في الزمان”، بالنسبة إلى أطراف الخصومة الجنائية الثلاثة، المتهم والضحية والنيابة العامة ممثلة المجتمع، وهي فكر وقناعة وممارسة، وليست أرقاما وإحصائيات، فالأرقام والإحصائيات قد تكون خادعة في كثير من الحالات.
وبالنظر إلى أن المحاكمة الجنائية العادلة لا تقتصر على مرحلة الإحالة على قضاء الموضوع وإنما تشمل المرحلة السابقة عن المحاكمة – أمام الضابطة القضائية وأمام سلطة الاتهام والمتابعة – وتمتد للمرحلة اللاحقة عن المحاكمة أي عند ممارسة الطعن بنوعيه العادي والاستثنائي، بل وتمتد إلى تنفيذ الحكم أو القرار القضائي متى أصبح نهائيا حائزا لقوة الشيء المقضي به-، فإن النجاعة القضائية أمر لازم في مختلف مراحل الخصومة الجنائية، ويلعب فيها العنصر البشري سواء كان ضابطا أو قاضيا أو محاميا أو خبيرا أو موظفا دورا أساسيا وحاسما .
1-النجاعة القضائية في المرحلة السابقة عن المحاكمة :
المرحلة السابقة عن المحاكمة هي المرحلة التي يكون فيها المشتبه فيه في ضيافة الضابطة القضائية سواء تعلق الأمر بالبحث في حالة تلبس أو في الأحوال العادية أو ما يعرف بالبحث التمهيدي.
وبالنظر إلى أن عمل الضابطة -بعد ارتكاب الفعل الجرمي-هو عمل قضائي يتم تحت إشراف النيابة العامة وقضاة التحقيق عملا بالمادة 128 من دستور 2011، فإن النجاعة القضائية في هذه المرحلة أمر لازم يتقاسمها الضابط العادي مع ضباطه السامين -ممثل الحق العام وقاضي التحقيق-كل ذلك خدمة للعدالة الجنائية في الزمان.
ولئن كان تكوين ضباط الشرطة القضائية هو اختصاص أصيل للمعهد الملكي للشرطة، فإن تأطير ضباط الشرطة القضائية، هو حق لهؤلاء على الضباط السامين، فواجب الإشراف والرقابة والتوجيه مقرر في العديد من الدوريات والمناشير الوزارية التي تشكل في مجموعها السياسة الجنائية للدولة.
وما قيل عن علاقة الضابطة القضائية بسلطة الاتهام يصدق عن علاقة الضابطة القضائية مع سلطة المتابعة على مستوى النجاعة القضائية آلية في تعزيز الأمن القضائي الزجري، والتي ما تستلزم في ضابط الشرطة القضائية من تكوين قانوني رصين وفطنة وجرأة وأخلاق فاضلة.
2 – النجاعة القضائية أمام قضاء الموضوع
النجاعة القضائية أمام قضاء الموضوع لا تعني القاضي الجنائي وحده، وإنما تعني كل الأطراف المتدخلة في العملية القضائية بدءا بموظفي كتابة الضبط ومرورا بمساعدي القضاء من محامين وخبراء، دون أن ننسى أطراف الخصومة الجنائية وهم المتهم والضحية و النيابة العامة ممثلة المجتمع.
ولدعم النجاعة القضائية أمام القضاء الزجري نقترح السير نحو التخصص في الميدان الجنائي، سيما على مستوى التكوين بالمعهد العالي للقضاء، أما باقي المتدخلين في العملية القضائية من محامين وخبراء فيجب أن يتحلوا بالأخلاق المهنية وبالأعراف والتقاليد خدمة للعدالة الجنائية.
فلا يمكن طلب تأخير النظر في قضية جنائية من قبل محام لأسباب واهية، وأحيانا بطرق ملتوية مما يزرع الشك والريبة لدى أطراف الخصومة الجنائية ، ولا يمكن أن نقبل التأخر في إنجاز خبرة طبية قضائية تأمر بها المحكمة دون مبرر مقبول، ولا يمكن للنيابة العامة أن تهمل إحضار المتهم من السجن أو عدم السهر على استدعاء مصرحي المحضر، بمعنى ينبغي لجميع أطراف الخصومة الجنائية السعي نحو تجهيز الملف خدمة للعدالة الجنائية في الزمان – النجاعة القضائية -، علما أن القضاء الإداري المغربي أصبح لا يتردد في الحكم بالتعويض الناتج عن الخطأ القضائي أو الخطأ المرفقي الذي يعتبر التأخير غير المبرر إحدى صوره لمساسه بحرية الأفراد وبقرينة البراءة .
والنجاعة القضائية في الميدان الزجري تقتضي الحكم على المتهم في أجل معقول وأن يكون الحكم أو القرار معللا من الناحية القانونية والواقعية، والالتزام بالأجل المعقول هو التزام عالمي منصوص عليه في المواثيق الدولية سواء ذات الطبيعة العالمية أو الإقليمية.
3 – النجاعة القضائية في المرحلة اللاحقة عن المحاكمة
النجاعة القضائية في المرحلة اللاحقة عن المحاكمة يمكن مقاربتها من خلال نقطتين أساسيتين هما:
– الحق في الطعن أو التظلم من الحكم أو القرار القضائي، وهذا حق كوني، يقتضي بداهة تحرير الحكم أو القرار بسرعة من قبل القاضي الجنائي، وهذا يدخل في صميم النجاعة القضائية التي يتقاسمها القاضي الجنائي مع هيأة كتابة الضبط التي عليها جرد الملف وإحالته بسرعة على النيابة العامة لإنجاز تقريرها الاستئنافي متى اعتبرت أن الحكم أو القرار قد جانب الصواب كلا أو بعضا .
– المبادرة من قبل النيابة العامة إلى تنفيذ الحكم أو القرار الجنائي متى أصبح نهائيا حائزا لقوة الشيء المقضي به تحقيقا للردع العام والخاص، مالم يكن المتهم قد أحيل على قضاء الموضوع في حالة اعتقال، إذ لا يمكن الحديث عن حكم لا نفاذ له.
كان هذا جانبا من تصورنا للنجاعة القضائية التي هي حسب اعتقادنا مرادف لمفهوم العدالة في الزمان، وهي فكر وقناعة وممارسة -وليست إحصائيات-من المفروض أن يتقاسمها ويؤمن بها كل الأطراف المتدخلة في العملية القضائية من ضباط شرطة وقضاة وخبراء ومحامين، تعزيزا للأمن القضائي الزجري الذي تعتبر المحاكمة الجنائية العادلة إحدى غاياته الكبرى.
* نائب وكيل الملك لدى ابتدائية تمارة دكتور في الحقوق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى