مجتمعمقالات الرأي

تبعات إقصاء المغرب من مؤتمر برلين

لعب دورا رائدا في اتفاق الصخيرات لحل الأزمة الليبية وقطع الطريق على التنظيمات الإرهابية

انعقد أول أمس (الأحد) مؤتمر السلام الخاص بليبيا في برلين بألمانيا برعاية من الأمم المتحدة وفي إطار المساعي الدولية للتوصل لوقف دائم لإطلاق النار، ووقف حد للاقتتال الدائر في ليبيا منذ تسعة أشهر بين قوات حفتر المتمركزة في الشرق وحكومة الوفاق ومقرها طرابلس .

الدكتور خالد الشرقاوي السموني *

من بين الدول الحاضرة في المؤتمر، بالإضافة إلى منظمات دولية، مجموعة الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن وهي الولايات المتحدة الأمريكية و روسيا وفرنسا وبريطانيا والصين. كما حضرت ألمانيا باعتبارها الدولة المنظمة، بالإضافة إلى إيطاليا وتركيا. ومن الدول المجاورة لليبيا حضرت الجزائر، كما حضرت مصر والإمارات الداعمتان لحفتر. وعلى مستوى الاتحاد الإفريقي حضرت الكونغو .

إقصاء غير مفهوم
الملاحظ ، أن الدعوة لم توجه إلى المغرب وتونس للمشاركة في المؤتمر رغم دوريهما الرئيسين في حل الأزمة ليبيا، خصوصا المغرب الذي سبق له الاشراف على اتفاق الصخيرات، وكان من أول الموقعين على إعلان مشترك لدعم خطوة تشكيل حكومة وفاق وطني في ليبيا، ستظل السبيل الوحيد لتحقيق المهمة المتمثلة في إقرار سلطة شرعية، واستعادة الاستقرار والحفاظ على وحدة البلاد.
لقد لعب المغرب دورا رائدا في دعم مسلسل المفاوضات الليبية وتقريب وجهات النظر لإنهاء الخلافات بين الأطراف الليبية المتصارعة. وهذا الدور المتقدم الذي يقوم به المغرب من خلال سياسته الخارجية، يندرج في إطار التزامه بالحفاظ على مبدأي السلم والأمن بالمنطقة العربية، وحتى على الصعيد الدولي، كما أن سياسته في مجال مكافحة الإرهاب تجعله يعي كل الوعي قطع الطريق على التنظيمات الإرهابية للامتداد في شمال افريقيا.
فضلا عن ذلك، فإن المغرب اكتسب مرجعية دولية في هذا النوع من المبادرات السلمية الرامية إلى فض النزاعات، إضافة الى الثقة في مؤسساته وتجربته المستقرة وعلاقته بشخصيات ليبية مؤثرة، وامتداداته ذات الطبيعة الاجتماعية والدينية داخل ليبيا، والعلاقات التاريخية والإنسانية القوية التي تربطه مع الشعب الليبي، ما يجعله مؤهلا أكثر كي يلعب دورا محوريا في هذا الملف و تحقيق الاستقرار ووحدة البلدان المغاربية .
و الدليل على ذلك، الدور المغربي في دفع الفرقاء السياسيين للوصول إلى اتفاق الصخيرات في يوم 17 ديسمبر 2015 ، حيث وقعت وفود عن المؤتمر الوطني العام بطرابلس ومجلس النواب المنعقد في طبرق شرقي البلاد والنواب المقاطعون لجلسات هذا المجلس، إضافة إلى وفد عن المستقلين، و بحضور المبعوث الأممي إلى ليبيا برناردينو ليون، على اتفاق يقضي بتشكيل حكومة وحدة وطنية توافقية، واعتبار برلمان طبرق الهيأة التشريعية، وتأسيس مجلس أعلى للدولة ومجلس أعلى للإدارة المحلية وهيأة لإعادة الإعمار وأخرى لصياغة الدستور ومجلس الدفاع والأمن . وهذا الاتفاق تم بإشراف أممي، إذ سبق لمجلس الأمن الدولي التأكيد على أنه يبقى الإطار الوحيد القابل للاستمرار لوضع حد للأزمة السياسية في ليبيا، في انتظار إجراء انتخابات.

حفتر والإمارات يخلطان الأوراق
نشير في هذا الخصوص إلى أن مجلس الأمن الدولي أكد على أن اتفاق الصخيرات هو الإطار الوحيد للحل السياسي في ليبيا، ويبقى المفتاح لتنظيم انتخابات وإنهاء الانتقال السياسي، ودعا إلى الإسراع في العملية السياسية حتى تخرج البلاد من أزمتها.
لكن بعد مؤتمر الصخيرات، عبد اللواء المتقاعد خليفة حفتر الطريق أمام الإمارات للعب دور الوساطة في الملف الليبي، وذلك من خلال قمة للأمم المتحدة عُقدت في أبوظبي ، مما جعل الأوراق تختلط، و تم نسف ما تم الاتفاق بشأنه في الصخيرات .
فقوات الفريق خليفة حفتر، الرافض لاتفاق الصخيرات والمدعوم من قبل بعض الدول العربية، ذات الأهداف الجيو – الاستراتيجية بالمنطقة، تمكنت من إخراج خصومها من بنغازي والاستيلاء على جزء كبير من “الهلال النفطي” في خليج سرت، مع إنتاجه من النفط والغاز، ومنشآت تكرير وتصدير النفط، و هي الآن تزحف للسيطرة على العاصمة.
هذا التصعيد العسكري من جانب قوات حفتر أثار قلقا دوليا من تدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بليبيا التي تعيش في الوقت الراهن انقسامات حادة، فكل من الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا و تركيا سارعت إلى التعبير عن قلقها البالغ من التصعيد العسكري في ليبيا، كما رخص البرلمان التركي للرئيس أردوغان بإرسال قوات عسكرية إلى ليبيا لحماية حكومة الوفاق من السقوط خاصة بعد ملاحظة الدعم الخارجي القوي لحفتر.
فالدعم الذي تقدمه مصر، والإمارات العربية المتحدة وروسيا للجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر أدى إلى تعميق الأزمة السياسية وإحداث المزيد من الانقسامات بين المكونات السياسية في ليبيا، ناهيك على أن تعدد المبادرات حول الأزمة الراهنة في ليبيا، سواء من الداخل أو الخارج، لن يوحّد الجهود الدولية الرامية إلى إيجاد تسوية للأزمة .

اتفاق الصخيرات…الخيار الأفضل
كنا نأمل الالتزام بما جاء في اتفاق الصخيرات، الذي يظل الخيار الأفضل والعنصر الأساسي لتسوية الأزمة الليبية، إذ كان بإمكانه أن يقطع الطريق على التدخل الأجنبي، علما بأن المغرب مؤهل أكثر من أي دولة على المستوى الاقليمي في أن يساهم في دعم الاستقرار والأمن بليبيا، و تجنب المزيد من المواجهات العسكرية ومنع الانهيار الاقتصادي، و كذلك تعريض آفاق تحقيق السلام للخطر على نحو أكبر.
ويأمل الكثير من المتتبعين على الصعيد الدولي في أن ينجح الفرقاء في إنهاء حالة الحرب و الصراع خلال مؤتمر برلين، لكن استبعاد اتفاق الصخيرات من التنفيذ و عدم دعوة المغرب للمشاركة في المؤتمر قد يعقد معادلة حل الأزمة بليبيا، لأن المغرب له دور كبير في أي حل سياسي لهذه الأزمة، ولا ينبغي بأي حال من الأحوال القفز على جهوده المشهود له بها دوليا في إقرار السلام والأمن بالمنطقة المغاربية. ونشير في هذا الخصوص إلى أن مؤتمر برلين لم ينجح في إيجاد حل عسكري للأزمة، وأعلنت نوايا فقط لمتابعة جهود إرساء السلام في ليبيا حسب ما صرح به للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في نهاية المؤتمر.
و لذلك، ألا يمكن القول بأن اتفاق الصخيرات يبقى الحل الأنسب والأفضل ويمكن اعتماده إطارا لحل الأزمة بليبيا؟ و ألا حل لهذه الأزمة بدون إشراك المغرب في المفاوضات ، الذي يبقى دوره حاسما و إستراتيجيا في حل النزاع بين الأطراف الليبية المتصارعة .
* مدير مركز الرباط للدراسات السياسية والإستراتيجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق