حماية المال العام تبدأ من التدقيق: أي دور للمفتشية العامة للإدارة الترابية؟

بقلم: نزهة بدري
حاصلة على ماستر التميز في الحكامة الترابية، تخصص الحكامة الإدارية والمالية
أضحى تدبير مالية الجماعات الترابية اليوم قضية تتجاوز الإطار التقني لتصبح رهانًا وطنيًا يرتبط بجودة الخدمات العمومية، ونجاعة التنمية المحلية، وتعزيز ثقة المواطن في المؤسسات. فمع اتساع اختصاصات الجماعات الترابية وتزايد الموارد المالية الموضوعة رهن إشارتها، برزت الحاجة إلى رقابة فعالة تضمن حسن تدبير المال العام، وتكرس مبادئ الشفافية والمساءلة.
وفي هذا الإطار، تضطلع المفتشية العامة للإدارة الترابية بدور محوري في منظومة الرقابة، من خلال مهام الافتحاص والتدقيق والتفتيش التي تستهدف تقييم التدبير المالي والإداري للجماعات الترابية، والتحقق من مدى احترام القوانين والأنظمة، والكشف عن مواطن الخلل، واقتراح الحلول الكفيلة بتصحيحها والارتقاء بالأداء.
ولم يعد التدقيق المالي في المفهوم الحديث يقتصر على رصد المخالفات أو التحقق من سلامة الإجراءات، بل أصبح أداة لتقييم الأداء وقياس النجاعة وتحسين جودة التدبير العمومي. فالرقابة الحديثة لا تكتفي بتشخيص الاختلالات، وإنما تسعى إلى الوقاية منها، ومواكبة الإدارة في تطوير أساليب عملها وترشيد النفقات وتحقيق أفضل استثمار للموارد العمومية.
وقد عزز دستور المملكة لسنة 2011 هذا التوجه من خلال تكريس مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما منح أجهزة الرقابة مكانة متقدمة في حماية المال العام. كما أن التقارير الرقابية التي تصدرها مختلف المؤسسات المختصة أظهرت أن عدداً من الاختلالات يرتبط بضعف الحكامة، وسوء برمجة النفقات، وعدم تنفيذ بعض المشاريع وفق الأهداف المسطرة، وهو ما يؤكد أن الرقابة لم تعد ترفاً إدارياً، بل أصبحت ضرورة لضمان حسن تدبير الشأن المحلي.
ورغم الجهود التي تبذلها المفتشية العامة للإدارة الترابية، فإنها تواجه تحديات متعددة، من أبرزها اتساع مجال تدخلها، وتزايد عدد الجماعات الترابية، والحاجة إلى تعزيز الموارد البشرية المؤهلة، فضلاً عن أهمية تطوير التنسيق مع باقي أجهزة الرقابة، بما يحقق التكامل في الأدوار ويعزز فعالية المنظومة الرقابية.
كما أن التحول الرقمي الذي تعرفه الإدارة المغربية يفرض تحديث أساليب الافتحاص والتدقيق، من خلال توظيف التكنولوجيا وتحليل البيانات المالية واعتماد أدوات رقمية حديثة لرصد المخاطر وتتبع تنفيذ التوصيات، بما يضمن رقابة أكثر سرعة ودقة وفعالية.
إن تدقيق مالية الجماعات الترابية ليس مجرد آلية للمساءلة، بل هو رافعة للإصلاح الإداري ومدخل لترسيخ الحكامة المالية وضمانة لحسن استغلال الموارد العمومية. فكل درهم يُدبَّر بكفاءة وشفافية ينعكس على تحسين الخدمات العمومية وتعزيز الاستثمار وتحقيق تنمية ترابية أكثر عدلاً واستدامة.
واليوم، ومع استمرار الأوراش الكبرى التي يعرفها المغرب، تبرز الحاجة إلى الانتقال من رقابة ترصد الاختلالات بعد وقوعها إلى رقابة استباقية تقوم على الوقاية، وتقييم المخاطر، وتتبع تنفيذ التوصيات، بما يجعل المفتشية العامة للإدارة الترابية شريكاً في الإصلاح الإداري، وليس مجرد جهاز للمراقبة. فحماية المال العام ليست غاية في حد ذاتها، وإنما مدخل لبناء إدارة ترابية ناجعة، وتعزيز ثقة المواطن، وترسيخ دولة القانون والمؤسسات.






