ملف الصباح

البيضاء … غول من إسمنت

تحولت البيضاء إلى قلعة إسمنتية، بعد زحف عمراني أفقي وعمودي مخيف تجاوز المتوقع، في غياب تام لفضاءات خضراء تشكل متنفس للسكان، الذين رغم أن عددهم يصل إلى الملايين، لا يوجد بالبيضاء سوى ثلاث أو أربع حدائق كبيرة، لكنها في وضعية مزرية. وحاول سكان بعض الأحياء إحداث حدائق صغرى، لكنها تلقى التهميش مع مرور الوقت، وتتحول إلى مطرح للنفايات.
يحاول كل طرف إبعاد هذه التهمة عنه، فمسؤولو المدينة يتهمون المنعشين العقاريين بالجشع وتعمد إعدام الفضاءات الخضراء وتحويلها إلى عمارات سكنية، في حين يرد هؤلاء هذه التهم، ويؤكدون أنهم التزموا حرفيا بتصاميم التهيئة، في حين هاجم فاعلون جمعويون الجميع ودقوا ناقوس الخطر.
يرى مستشار جماعي رفض الكشف عن اسمه، أن سبب غياب الفضاءات الخضراء، يعود إلى المشاريع الكبرى التي شهدتها البيضاء، ضاربا المثل بمشروع بناء محطة “طرامواي” بالبرنوصي، الذي تسبب في إعدام ملعب تاريخي لكرة القدم والفضاءات المجاورة له.
وحمل المستشار المسؤولية إلى جشع المنعشين العقاريين، وغياب رقابة المشرفين على الشأن العام بالبيضاء، إذ رغم ضخامة هذه المشاريع وبناء المئات من الشقق، يتعمد المنعشون بناء حدائق بمواصفات خاصة، مقابل بناء مرافق، بعضها يظل خارج الخدمة.
وكشف المستشار عن بعض الخروقات في هذا المجال، مثلا في منطقة التشارك، التي اعتبرت مشروعا عقاريا ضخما، حرم السكان من حدائق وفضاءات ترفيهية، ما تسبب في احتقان غير مسبوق بالمنطقة، مبرزا أن المسؤولين البيضاويين كان عليهم أخذ العبرة من عمارات بمنطقة بورنازيل بعمالة مولاي رشيد، بنيت خلال الحقبة الاستعمارية بطريقة هندسية جميلة ومثيرة فسحت المجال لإحداث حدائق على الطريقة الأوربية.
ويرى المستشار أن هذه الاختلالات تعود أيضا إلى تبيان وجهات نظر العمال المشرفين على المناطق التابعة لهم، فكل عامل له أولويته الخاصة، منهم من يراهن على إحداث فضاءات للسكان، في حين يهتم الآخر ببناء أسواق ومشاريع أخرى، لهذا، حسب المستشار، يجب وضع تصور موحد لدى جميع عمالات البيضاء، تكون للفضاءات الخضراء مكانة بارزة فيها.
من جهته، أثار لحسن إفنا، فاعل جمعوي ملاحظة هامة، وهي أن سلوك المواطنين ساهم بدوره في إعدام الحدائق بالبيضاء، فحسب قوله، تحولت بعض الحدائق بالأحياء السكنية إلى مطرح للنفايات بسبب سلوكات غير مسؤولة، ما شجع المسؤولين على تبليطها.
ودعا الفاعل الجمعوي إلى ضرورة الرهان على التربية على المواطنة والتحلي بروح المبادرة والعمل التطوعي، وتجسيده عبر إحداث فضاءات خضراء داخل الأحياء والعناية بها، بدل الاقتصار على غرس الأشجار والنخيل.
وكشف المتحدث عن الدور البارز للجمعيات من أجل إعادة الاعتبار للفضاءات الخضراء، من قبيل إشراف جمعية بمنطقة سيدي البرنوصي على إنشاء منتجع بالمنطقة، تحول إلى قبلة للعائلات، بعد إجهاز السلطات على حديقة تحولت بين ليلة وضحاها إلى سوق نموذجي.
ودعا الفاعل الجمعوي مسؤولي البيضاء إلى اعتماد التدبير المفوض للحدائق، عبر توقيع شراكات بين المجالس الجماعية بالبيضاء والجمعيات المختصة، لإعادة الروح لهذه الفضاءات التي أوشكت على الانقراض، وضمان انتشارها بالمدينة التي تحولت إلى سجن إسمنتي مخيف.

مصطفى لطفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق