fbpx
اذاعة وتلفزيون

“جبل موسى” يوقع المشهد الأخير

الصباح تنقل أجواء تصوير الشريط الجديد لإدريس المريني

أنهى طاقم الفيلم المغربي “جبل موسى”، مطلع الأسبوع الجاري، آخر مشاهد العمل الذي يخرجه إدريس المريني، ويعد خامس فيلم ضمن مساره الفني. “الصباح” تنقل إليكم أجواء اليوم الأخير من تصوير الفيلم الذي سيدخل مرحلة تقنية أخرى قبل إعداده للعرض بالقاعات الوطنية.

إنجاز: عزيز المجدوب ـ تصوير (عبد المجيد بزيوات)

شمس الأصيل تميل إلى الأفق، وتقترب من الاحتجاب بالأسوار التي تحيط بالفضاء الخارجي، الذي يجري فيه تصوير آخر مشاهد فيلم “جبل موسى”. كان الفضاء عبارة عن حديقة، ملحقة بفندق وملهى ليلي بالرباط، التأم فيها طاقم التصوير بعناصره التقنية والفنية. جلبة وحركية تعمان المكان لحظة تهييء بلاطو التصوير الذي قد يستغرق ساعات من أجل تصوير مشهد لا يتعدى بضع دقائق، تنتفي بمجرد ما تنطق عبارة “أكسيون” ليغرق المكان في صمت رهيب، يخترقه خرير مياه نافورة تتوسط المكان، فيما تحلق التقنيون حول الطاولة التي تجمع الممثل يونس بواب بالممثلة هاجر بوزاويت في مشهد غرامي صامت بمطعم.
كان المخرج إدريس المريني معتمرا قبعة شمسية، جالسا خلف شاشة العرض الصغيرة، يسابق الزمن كي يظفر بآخر أشعة الشمس التي تتسرب إلى المكان وتشكل جزءا من المشهد الذي تمت إعادته بضع مرات، بعد ضبط كافة تفاصيله التقنية والفنية، قبل أن ينتهي وسط تصفيقات الحاضرين، الذين احتفوا مع الممثل يونس بواب بتصويره آخر مشهد له بالفيلم.عناق وتبادل تحايا، والتقاط صور سيلفي بين الطاقم التقني والممثل الذي تحمل وزر البطولة في الفيلم، في الوقت الذي انزوى فيه المخرج صامتا وعلى وجهه ترتسم شبه ابتسامة، بانزياح هم ثقيل على كاهله، وهو اقتراب الانتهاء من تصوير المشاهد الخارجية، ليظل مشهد وحيد بفضاء داخلي، لم يترك الفرصة للطاقم ليلتقط أنفاسه قبل أن ينتقلوا إلى الطابق العلوي ويشرعوا في تهييئ المكان الذي كان عبارة عن ملهى ليلي.
كان المشهد عبارة عن سهرة حميمية تجمع الممثلين عمر العزوزي وحسن فولان وفتيات وآخرين، يرقصون فيها على أنغام عازف عود، جسد دوره الفنان محمد الأشراقي، تختزل جوا من التهتك والسكر، يحيل إلى مشهد استرجاعي “فلاش باك” لأحد أبطال الفيلم وهو يستعيد لهو الشباب، لينتهي المشهد على وقع الفرح والرقص الذي انتقل من التمثيل إلى الواقع من خلال حفل صغير جمع طاقم العمل الذي حضر اليوم الأخير من التصوير وضم الممثلين يونس بواب والسعدية أزكون والعزوزي وفولان وآخرين، فضلا عن الطاقم التقني بكامله، الذي خصص حلوى كبيرة للمناسبة.

نصف الطريق

في الوقت الذي كان الجميع يحتفون بانتهاء التصوير، كان إدريس المريني يلتقط أنفاسه في ركن من الفضاء الذي احتضن الاحتفال، ويتأمل المشهد بسرور بالغ، قبل أن يسر ل”الصباح”، قائلا إن الانتهاء من التصوير ليس بالنسبة إليه سوى نصف الطريق، إذ ما زالت هناك مرحلة لا تقل حساسية عن التصوير، وهي مرحلة المونتاج والتوضيب والميكساج، والتي يعتبرها مسؤولة عن جودة العمل والصيغة النهائية للعمل كما سيخرج إلى الجمهور.
وتابع المريني أن الطاقم قضى أسابيع في تصوير العمل بمناطق مختلفة منها منطقة “مير اللفت” بنواحي سيدي إفني بالجنوب، التي احتضنت حوالي ثمانين في المائة من معظم مشاهد الفيلم، وهي المنطقة التي وجد نفسه مأخوذا بها ومنبهرا بمناظرها الطبيعية ودماثة خلق سكانها، قبل أن ينتقل إلى الرباط والقنيطرة وبوزنيقة.
وكان الانتقال إلى “مير اللفت” اضطراريا بحكم أن الفضاء الذي كان مقررا للتصوير هو منطقة “بليونش” بشمال المغرب على الواجهة المتوسطية، قبل أن يتعذر ذلك لأسباب تتعلق بالترخيص في منطقة توجد في مجال يحتضن منشآت عسكرية، ليتم تحويل الوجهة نحو الجنوب. هذا التحويل، يقول المريني، اقتضى منه تعديل النص الأصلي للفيلم والسيناريو والحوار، الذي كان يمتح من البيئة الشمالية وخصوصيتها، لتتم ملاءمته مع بيئة الجنوب، التي تشترك مع المنطقة الأولى في أنهما كانتا خاضعتين للاستعمار الإسباني.

شفق ودوستويفسكي

استغرق التحضير للفيلم بضع سنوات منذ أول مرة اطلع المخرج على القصة من خلال رواية تحمل عنوان “جبل موسى” للكاتب والسيناريست عبد الرحيم بهير، إذ يقول المريني إنه ظل مشدودا إلى عوالمها التي تحيل على أبعاد إنسانية ونفسية وفلسفية وتأملية، أغناها بالاطلاع على نصين آخرين هما “قواعد العشق الأربعون” لإليف شفق ورواية “الجريمة والعقاب” لفيودور دوستويفسكي، إذ سعى من خلال معالجة النص والسيناريو والحوار إلى تضمينها شيئا من روح هذين النصين، لتكون النتيجة عملا تحضر فيه الفلسفة والتأمل والعلاقات الإنسانية ممزوجة بآراء صريحة ولاذعة أحيانا تجاه مجموعة من القضايا منها التطرف الديني.
كان التحدي هو العثور على الممثلين القادرين على استكناه التفاصيل النفسية للشخصيات، وهو ما دفع المخرج إلى اختيار اسم يونس بواب، الذي ارتبط اسمه بشخصيات مختلفة جسدها في أعمال سينمائية سابقة، تحيل على حالات الاكتئاب والغموض والبؤس الدفين الذي يرتسم على الملامح، وهو ما ينطبق على الشخصية الرئيسية في الفيلم، إضافة إلى حضور وجوه أخرى من قبيل سهام أسيف والسعدية أزكون وعبد اللطيف الشكرا وعمر العزوزي وعبد النبي البنيوي وآخرين.
ويواصل المريني مع “جبل موسى” مغامرته السينمائية الخامسة بعد “لحنش” (2017) والذي نحى فيه منحى كوميديا مع الممثل عزيز داداس محققا إيردات قياسية، و”عايدة” (2014) و”العربي” (2010) و”بامو” (1983)، ويقول إنه تفرغ خلال السنوات الأخيرة لشغفه الخاص بالسينما خاصة في هذه المرحلة التي يعتبرها من أخصب الفترات الإبداعية بالنسبة إليه، خاصة بعد التغييرات التي طرأت على رأس المركز السينمائي المغربي، خلال السنوات الأخيرة، والتي جعلت الاهتمام يتزايد بالإنتاج السينمائي من حيث الكم والكيف، على حد قوله.

إعاقة مقنعة

يحكي العمل قصة شاب تم تعيينه أستاذا للفلسفة بإحدى مناطق الشمال وتقوده الظروف ليكتري شقة في بيت أرملة، ليكتشف أن لها ابنا معاقا كسيحا لا يتكلم ولا يتحرك إلا بكرسيه المتحرك في المحيط الضيق بين غرفته وشرفة البيت، ويتمكن الأستاذ من ربط علاقة بالشاب المعاق ليفاجأ بالعالم الذي يتحرك فيه: صور الفلاسفة، وأقوال للمفكرين الكبار، ويكتشف موسوعيته واطلاعه الواسع بعد أن اهتدى لطريقة التواصل معه بالكتابة.
وتتطور الأحداث وتموت الأم وهي توصي المدرس بابنها خيرا ليكتشف أشياء غريبة في سلوك هذا الابن وحول الأسباب التي جعلته يركن لإعاقته، أو بالأحرى يختبئ خلفها، إذ تتشابك الأحداث والشخوص والحوارات المطعمة بتأملات فلسفية عميقة تؤطر السير العام للرواية وتشكل خلفية لها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى