ملف الصباح

ظاهرة «الحضية» …. نعمان: تكبيل لحرية الفرد

كسوس المختصة في الاجتماع قالت إن الظاهرة نعمة ونقمة في الوقت ذاته

قالت سمية نعمان كسوس، اختصاصية في علم الاجتماع، إن ظاهرة «الحضية» والاهتمام بشؤون الآخرين، ترتبط بعوامل اجتماعية وتاريخية، مبنية أساسا على الفراغ الذي كان يعيشه المغاربة في فترات زمنية معينة، مشيرة، في حوار مع «الصباح»، إلى أن التطور التكنولوجي حول الظاهرة إلى وسيلة للزيادة في حرية الأفراد، وإلحاق الضرر بالغير. في ما يلي تفاصيل الحوار :

> ما هي الجذور النفسية والاجتماعية لظاهرة «الحضية» ؟
> لقد ارتبطت ظاهرة «الحضية» أو الاهتمام بشؤون الآخرين بقرون مضت، حينما كانت الأسر تعيش في مكان واحد دون تنقل أو ترحال، سواء في المدن أو البوادي، فيضطر أفرادها للزواج من أفراد العائلة والمحيط، ويكون الاهتمام المتبادل ضروريا ومنحصرا في ما بينهم. والحقيقة أن الظاهرة كانت أكثر حدة في المناطق القروية، التي عاشت فيها أجيال متعاقبة دون أن تتخطى رقعتها الجغرافية، ذلك أن جميع المعلومات الرائجة يتم تقاسمها بين سكان القرية الذين تجمعهم في الغالب روابط الدم أو الرضاعة. من جهة أخرى نجد أن الفراغ والانغلاق الذي كان يعيشه بعض المغاربة، قبل أن تغزو الوسائل التكنولوجية حياتهم، لعب دورا مهما في بلورة ثقافة «الحضية»، ذلك أن النساء كن يمضين معظم وقتهن داخل البيوت، في ظل قلة التردد على الأماكن العمومية، وينشغلن بالحديث عن أخبار الآخرين، كما هو الأمر بالنسبة إلى الرجال. هناك عامل آخر وهو الوقت، الذي كان متوفرا بشكل كاف في الماضي من أجل الانشغال بالبحث عن أخبار وشؤون الآخرين، خلافا للعصر الحالي، الذي يجد فيه الفرد بالكاد وقتا للاهتمام بنفسه وأسرته، في ظل انشغالات الحياة المتزايدة، كما أن العلاقات بين الجيران لم تعد كسابق عهدها، لتنحصر الظاهرة بذلك في خانة الأشخاص العاطلين عن العمل، أو الذين لا يتوفرون على اهتمامات أخرى غير العمل.

> ما دور التكنولوجيا في توسيع رقعة اهتمامات المغاربة بالآخرين ؟
> لقد تغيرت الأمور مع تطور التكنولوجيا، إذ أصبح التلفاز والهاتف موجودين في كل منزل، ولم يعد الانشغال بأمور الآخرين مقتصرا على ما يوجد داخل البيت فقط، بل حتى بما يقع خارجه، سواء في المحيط القريب أو المتوسط أو البعيد. وهذه الظاهرة أصبحت تتناقص لأن سكان المدن أضحوا ينشغلون بالعمل، كما يسعون للحصول على شهادات عليا، وكلما زادت درجة الوعي والثقافة لدى الفرد، بالإضافة إلى المسؤولية في العمل، كلما قل اهتمامه بالآخرين، وفضوله لمعرفة ما يفعلونه سواء كان سلبيا أو إيجابيا.

> كيف تطورت الظاهرة لتصل إلى العالم الافتراضي؟
> لقد تطورت «الحضية» ولم تعد تقتصر على نقل المعلومة بين الأشخاص فقط، بل تحولت إلى نوع من حب الاستطلاع المبني على «الشوهة»، فقد كان الإنسان قديما يبحث عن الأخبار في محيطه، فيتطفل على جاره ليعلم ما يقوم به وما إذا كان قد تشاجر مع زوجته مثلا، لكنه كان يستحضر مفهوم «السترة» الذي كان معروفا في مجتمعنا، فإذا سمع شيئا سيئا عن الغير احتفظ به لنفسه أو حرص على عدم انتشار خبره، احتراما لخصوصية الآخر، تحت شعار «سترو باش يسترك الله». أما اليوم، فقد تحول مفهوم «الحضية»، ليصبح قائما على حب استطلاع على خصوصية الغير، والبحث عن «الشوهة» و»السكوب» في وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيات الحديثة، من خلال مشاركة خصوصيات الغير والتطفل عليها بهدف الحصول على أكبر عدد من المشاهدات، التي تشعر المتطفل بقيمة مضافة. وهذه حقيقة لا تقتصر على المجتمع المغربي فقط، بل هي ظاهرة عالمية بدأت من خلال «البابارازي».

> ما هي الآثار السلبية لمثل هذه الممارسات ؟
> إن التلصص على خصوصيات الآخرين، وعدم احترامها، ساهم بشكل كبير في تكبيل حرية الأفراد، ذلك أننا اليوم نتوفر على هامش كبير من الحرية، سواء من الناحية السياسية أو الاجتماعية أو التقنية، لكن الخوف من عدسات الكاميرا التي قد تلحق أي شخص وتدمر حياته وسمعته، من خلال التقاط صور له سواء في البحر أو في حفلات الزفاف ونشرها على نطاق واسع، جعلنا نعيش نوعا من «البارانويا»، ومنعنا من التمتع بالحرية التي نتوفر عليها كما هي. والمثير في هذه القضية أن العديد من الأفراد، مهما بلغ وعيهم وثقافتهم وتدينهم، يقومون بمشاركة محتويات تمس خصوصيات الغير على مواقع التواصل الاجتماعي، دون اعتبار تأثيرها على حياة الأشخاص المعنيين، سواء من الناحية الاجتماعية أو المهنية أو النفسية.

> ماذا عن «الحضية» في الأوساط السياسية ؟
> أعتبرها أمرا عاديا ومباحا طالما هناك حسن النية، بغرض التنافس والبحث عن التميز في المجال السياسي، كأن يقوم حزب ما مثلا بطرح فكرة أو تحقيق إنجاز فشلت في تحقيقه الأحزاب الأخرى، ويسعى أحدها إلى الحصول على أكبر قدر من المعلومات حوله من أجل تقليده أو بلورته، بذلك يكون الهدف نبيلا وتنافسيا بالدرجة الأولى. أما حينما يتعلق الأمر بسوء النية والبحث عن إلحاق الضرر بالآخر، من خلال التطفل على خصوصيات الفاعلين السياسيين مثلا، أو تكسير حزب أو جماعة أو جهة سياسية معينة، فهو أمر مرفوض تماما.

حدود لا ينبغي تجاوزها

> هل “الحضية” نعمة أم نقمة، بالنظر إلى أنها ساهمت في الكشف عن العديد من العمليات الإرهابية ؟
> صحيح أن اهتمام المغاربة “شي بشي”، كان له دور كبير في فك قضايا الإرهاب أو السرقة، ما يجعلها نعمة. لكن هناك حدودا لا ينبغي تجاوزها كي لا تتحول إلى نقمة تكبل حرية الفرد، بل يجب أن تظل في حالة توازن، بعيدا عن التسبب في الأذى للآخرين.

أجرت الحوار : يسرى عويفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق