ربورتاج

السياحة العربية … رهان التسويق

وزراء عرب ينفضون الغبار عن تراثهم ومآثرهم و»الأحساء» السعودية تدخل التنافس الدولي

اختتمت الدورة 25 للمكتب التنفيذي للمجلس الوزاري العربي للسياحة، والدورة 22 للمجلس السياحي العربي، اللتان انعقدتا بين 22 و23 دجنبر بمحافظة الأحساء، عاصمة السياحة العربية 2019 بالمملكة العربية السعودية. واتفق وزراء السياحة العرب، جعل المنامة بالبحرين عاصمة السياحة العربية ل2020.

انجاز: أحمد الأرقام (موفد “الصباح” إلى الأحساء السعودية)

أكد المشاركون إنشاء مجلس استشاري للسياحة الميسرة على الدول العربية لإبداء الرأي والملاحظات بشأنها، ومن ثم رفع الصيغة النهائية للمقترح إلى المكتب التنفيذي للمجلس للنظر والموافقة عليه، وتنظيم مؤتمر بالتعاون مع منظمة السياحة العالمية والعربية، وتبني برنامج تكوين الأطر، وإنشاء حاضنات الأعمال للمشاريع السياحية.

دخل السياحة ضئيل

ترأس أحمد بن عقيل الخطيب، رئيس مجلس إدارة الهيأة العامة للسياحة، والتراث الوطني السعودي، اجتماعات مجلس وزراء السياحة العرب، وحضر مصطفى المنصوري، سفير المغرب بالرياض، ممثلا عن وزيرة السياحة المغربية.
وأكد الخطيب أن هذا الاجتماع يأتي ليؤكد أهمية العمل العربي المشترك في مجال السياحة، معتبرا أن المملكة السعودية وبقية الدول العربية لديها فرص سانحة للارتقاء بهذا القطاع وتحويله إلى مصدر هام لدعم اقتصاديات الدول العربية، يتوازى مع متوسط إسهام السياحة عالميا في الدخل القومي الذي يصل إلى 10 في المائة، بينما لا يتعدى في الوطن العربي 3 في المائة، وهي نسبة ضعيفة.
وأضاف المتحدث نفسه، أن وزراء السياحة العرب رفعوا التحديات واتخذوا إجراءات حاسمة تسهم في تحقيق مخرجات حقيقية ترفع العوائد الاقتصادية، وتزيد من فرص العمل، موضحا أن هذا الأمر يتحقق بزيادة التنسيق بين مختلف الدول العربية من خلال أمور عدة، ضمنها إتاحة الفرص التدريبية للعاملين في القطاعات السياحية، وزيادة ضخ الاستثمارات، وإيجاد منظومة للأمن السياحي.
وقال المسؤول نفسه، إن العمل السياحي المشترك لا يهدد أي بلد عربي، بل إنه يزيد من الخيارات أمام السياح لزيارة أي قطر عربي يتيح لهم الاطلاع على مآثر تاريخية، الأمر الذي سيفيد كافة البلدان من الزيادة السنوية للسياح على مستوى العالم.

مخطط 2030 السعودي

أكد الخطيب أن السعودية وضعت رؤية المملكة التي تمتد إلى 2030 لتحويل السياحة إلى قطاع استثماري ضخم يحقق عوائد تصل إلى 10 في المائة من الدخل القومي، ويساهم في تقليص البطالة لتصل إلى 6 في المائة من خلال توفير نحو مليون فرصة وظيفية إضافية، لتصبح خامس بلد حاضن للسياح على مستوى العالم باستقطاب نحو 100 مليون زيارة في 2030.
وقال إن بلاده قدمت مبادرة لإقامة برنامج عربي لتنمية الموارد البشرية السياحية، إضافة إلى مشروع يهدف لتنمية الدراسات والأبحاث التي تسعى للوصول إلى مخرجات واضحة تمكن من استغلال كافة فرص التعاون والتكامل العربي في مجال السياحة.

الأحساء … أم النخيل

انتصرت منطقة “الأحساء” على رمال الصحراء في الربع الخالي بالمملكة العربية السعودية، وأظهرت بيئة جغرافية متنوعة من خلال واحات خضراء تتميز بتداخل الطبيعة مع العمل البشري، وتحكي إرثا تاريخيا عمره أزيد من 5 آلاف عام، إذ يعتبرها السعوديون، بوابة للسياحة التراثية، خاصة بعد تسجيلها في قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، خلال اجتماع لجنة التراث العالمي بالمنامة في يونيو 2018.
وتوصف “الأحساء”، أيضا بأم النخيل، لأن بها قرابة 3 ملايين نخلة وسط الرمال، لوجود أزيد من 70 عين “فوارة” بالماء الغزير الذي يسقي النخيل بدون توقف، لإنتاج التمور بمختلف أنواعها، والأرز الأسود ذي الجودة العالية، إذ حافظ سكان الأحساء على تراثهم عبر الاشتغال في الفلاحة، والصناعة التقليدية، وعلموا أبناءهم حياكة اللباس التقليدي مثل البشت (المشلح) التي تختلف أنواعه من حيث سماكة القماش، إذ في الصيف يرتدي السعودي البشت الخفيف، بينما في الشتاء يرتدي البشت الثقيل.
ويصل عدد سكان الأحساء، مليونا و500 ألف نسمة، وتضم 65 قصرا وقلاعا ومواقع سياحية مختلفة، مثل قصر “الوزية” شمال الهفوف، وقصر “صاهود” بالمبرز، لأجل الدفاع عن المنطقة الزراعية.
وتنتج المنطقة السياحية، إلى جانب التمور 60 في المائة من البترول السعودي فهي حقل متحرك. كما حافظ سكانها على تجمعاتهم الأدبية، والفكرية وإلقاء الشعر.
وقال خالد الفريدة، مديرعام هيأة السياحة والتراث الوطني بالأحساء سابقا، وهو يتحدث إلى 50 صحافيا حلوا بالمنطقة من مختلف الدول العربية، إن المنطقة تعد متحفا تراثيا طبيعيا مفتوحا على مساحة 534 ألف متر مربع، وتضم عددا كبيرا من المواقع التراثية والطبيعية، وتتشكل، من ثلاثة مسارات، الأول مصمم للمهتمين بالتراث، ويعرف بوسط الهفوف يتضمن “قصر إبراهيم، ومنزل البيعية، وسوق القيصيرية، والمدرسة الأميرية”.
أما المسار الثاني، فهو مخصص للمهتمين بالتاريخ ويتضمن “وسط الواحة ، وزيارة الخبازين، والتعرف على طريقة صناعة الخبز الحساوي ” الذي يطلق عليه “الخبز الأحمر”، علاوة على واحات النخيل، و جبل القارة، والعيون العذبة، و قنوات الري، ومسجد جواثا، ومصنع الفخار، والاستراحات.
فيما يلبي المسار الأخير اهتمامات “عشاق السفاري” ممثلة في “بحيرة الأصفر” ذات الطبيعة الخلابة، والأعشاب الغريبة، التي تنمو حولها، مثل أشجار الأرطى، والشنان، والسرخس، والتي تعرف بـ”كحل الصيف وبياض الشتاء”، نسبة لزيادة الصرف الزراعي الذي يحول البحيرة للون الغامق صيفا، وشتاء تزداد مياه الأمطار فيصبح اللون فاتحا، وتعد بحيرة طبيعية منذ تكوين الواحة، ويمكن الاستجمام في جنباتها، والاستمتاع بها في أجواء معتدلة، وتتبع رحلات الطيور المهاجرة.
ويتوقف نجاح الرحلات السياحية على اختيار الطقس الجيد، ويعد فصل الشتاء أفضل الأوقات لزيارة “الأحساء”، وأضاف قائلا” إن ما يميزها أنها مقصد للزيارة صيفا لمشاهدة مزارع النخيل، لجني محصول التمور والتي تعرف بـ “صرام الموحد”، والتي تلقى اهتماما من أصحاب المزارع والمزارعين المهتمين بإنتاج التمور.
وتم تحويل الأحساء إلى “ورشة عمل مفتوحة” لتطوير المرافق التراثية والتاريخية، مع المحافظة على هويتها المعمارية العريقة التي تتميز بها و التي تشكل منظرا طبيعيا تراثيا وثقافيا فريدا.

واحات النخيل والينابيع

انتقل الوفد الصحافي المقدر عدده بخمسين صحافيا، يمثل مختلف الدول العربية لزيارة المآثر التاريخية والكهوف والمتحف الأثري. وتعد الأحساء أم النخيل، بوابة السعودية الإقليمية لترويج السياحة الأثرية لأنها تحتضن مواقع أثرية تعود إلى العصر الحجري، وبعض الباحثين يعتبرون أنها قامت على أنقاض “هجر”، وهو ما ذهب إليه ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان، والبعض الآخر يرى أنها على مقربة من مدينة هجر القديمة وبجوار قرية البطالية، وقد وصفها المؤرخ اليوناني “بوليبيس” أنها كانت أحد أكبر المراكز التجارية الكبرى، وسوقا من الأسواق النشيطة في بلاد العرب، وملتقى لطرق القوافل، الواردة من جنوب الجزيرة العربية ومن الشام، والحجاز، والعراق، والهند، وأن سكانها من أغنى شعوب الجزيرة.
ويقدر عدد ينابيع الأحساء بين 60 نبعا و70، وتعد عين نجم واحدة من الينابيع الكبيرة الساخنة، التي تصل درجتها إلى 32 تمتاز بمياهها الكبريتية.
ويعتبر الكنعانيون أول من سكنوا الأحساء بعد نزوحهم من أواسط شبه الجزيرة، إذ اجتذبتهم ينابيع المياه العذبة، ومن سلالتهم كان العمالقة الفينيقيون الذين اشتهروا بالزراعة، وشؤون الري، وتميزهم بالمغامرة وركوب البحر، والتجارة كما نزح للاحساء مهاجرون كلدانيون من أهل بابل وأسسوا مدينة بالقرب من العقير، سموها الجهراء.

مسجد جواثا…معلمة تاريخية

يعد ” جواثا” ثاني مسجد أقيمت فيه صلاة الجمعة في الإسلام بعد المسجد النبوي، ويعود تاريخ بنائه إلى السنة السابعة للهجرة، واعتقد السعوديون أن المسجد يوجد في أعلى ربوة، وأدوا فيه صلواتهم، لكن بعد سنتين اكتشفوا عبر الحفريات، أن هناك بقايا المسجد تحت الأرض فأعادوا ترميمه، وفق تصميمه التاريخي ليكون محجا للسياح رغم صغر مساحته، بأدواته التقليدية التي تزين سقفه، وقلة نقوشه التي لا تكاد تظهر، وسقفه المشكل من الخشب. ويقع المسجد في شمال الكلابية، إحدى القرى الشرقية في محافظة الأحساء. وتوجد مساجد أخرى ذات معمار تراثي يقصدها السياح، مثل مسجد الجبري في القرن الثامن الهجري، ويقع في وسط حي الكوت.

جبل القارة والكهوف

جبل القارة يحتوي على 30 كهفا، وتمتاز مغاراته ببرودتها صيفا ودفئها شتاء، وبدرجة حرارة مستقرة في 20 درجة، ويعود عمرها الجيولوجي إلى الحقبة الثالثة. وجعلها سكانها السابقون مكانا للراحة في رمضان للتخفيف من حدة الحر، خاصة في غشت.
وتوجد بجبل القارة كهوف كثيرة نحتتها الطبيعة عبر مر السنين، وأضحت محجا للسياح تقام بها السهرات ليلا، وتسحر ناظرها لنحت الطبيعة جوانبها.
وإضافة إلى الكهوف، تضم المنطقة مزارع الأرز الأحمر ذي الجودة العالية لكثرة ينابيع الماء، وكذا القصور التاريخية، التي تعود إلى قرون خلت، مثل قصر محيرس بشمال المبرز وشيد على يد الإمام سعود بن عبد العزيز، بأعلى قمة تل في 1208 هجرية لأغراض عسكرية.

القيصيرية”… شيخ الأسواق الشعبية

يطلق على سوق القيصيرية “شيخ الأسواق الشعبية” في الساحل الشرقي للسعودية، ومنطقة دول الخليج، وظل قبلة للخليجيين للتسوق والتبضع وبيع الصناعات التقليدية مثل “صناعة المشالح والعبي والدلال، والأواني والأحذية الحساوية المحلية، والملبوسات والمنتجات الزراعية والجلدية والأعشاب”.
ويصل عمر السوق لستة قرون تقريبا، تم تجديده في 2013 وظهر بطرازه المعماري التراثي، وبالمواد نفسها المستخدمة سابقا، مع الحفاظ على تصميمه السابق، وبحلة جديدة عصرية إحياء لمخزونه التراثي.
وبني السوق على مساحة تقدر بـ 15 ألف متر مربع، وهو أكبر سوق مسقوف في المملكة السعودية وفي دول الخليج، على شكل مستطيل، تحاكي تصاميمه المعمارية التراث القديم لأبناء المنطقة الشرقية، من ممرات مغلقة ومسقوفة، تميزت بارتفاعها لتشكل ارتياحا للمرتادين، والاستفادة من ذلك للتهوية والإضاءة الطبيعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق