عجز الأحزاب عن التغيير الذاتي يعرقل إمكانية التحول الديمقراطي ها قد نجح حزب الاستقلال، أخيرا، في الخروج من أزمة انتخاب أمينه العام. ولا يزال الاتحاد الاشتراكي يلملم أطراف مدخل بيته الداخلي. كما لا تزال المعارضة بمختلف أشكالها وألوانها متذبذبة في تدبير وممارسة دورها المنوط بها، وهي تفكر في توحيد جهودها. أما الحكومة، فتشهد بدورها تباينات شتى في التصريحات والمواقف. ومع ذلك فهي تسير؟ يعني تدور، والمقصود بذلك الأرض؟ أما المجتمع السياسي بمختلف مكوناته وأطرافه، فهو مستقر على مناكبها، ولكنه لا يعرف أين المسير؟ عندما جاء الربيع العربي، وخرج الشباب والشعب مطالبا بالتغيير ومصرحا بموقف واضح من الفساد، على اعتبار أنه مصدر كل المشكلات التي يتخبط فيها الوطن العربي على إثر شتاء طويل، كان المجتمع السياسي العربي يعيش نوعا من البيات الشتوي. من السهولة بمكان تفسير هذا البيات بالدور القمعي الذي كانت تمارسه الدولة على هذا المجتمع، لأن جزءا منه، وأقصد بعض الاتجاهات الإسلامية كانت تعمل على تنظيم نفسها في ظل الشروط نفسها.بالنظر إلى واقع الدولة العربية الحديثة، نجدها إحدى اثنتين: الدولة ـ الحزب، من جهة، ودولة الهامش الحزبي من جهة ثانية. هذا على مستوى الدال. أما المدلول فواحد، ويتلخص في عدم إعطاء الفرصة للمجتمع السياسي ليفرض وجوده وتصبح له قاعدة جماهيرية واسعة، أي أن الدولة العربية، كيفما كانت صيغة علاقتها بالمجتمع السياسي، إلغاء ومنعا أو تهميشا واحتواء، تقوم على قاعدة جوهرية: إضعاف الحياة السياسية، ووأد أي حركة يمكنها أن تصبح شريكا أو بديلا.زاوجت الدولة العربية في كل تاريخها الحديث، وهي تعمل على مواجهة أي نهوض لأي حركة بين القمع العنيف، والمنهجي واللطيف. ويبرز ذلك في أنها إما تعمل على إسكات المعارضة عن طريق القمع، أو باتباع أسلوب الاحتواء أو باعتماد طريقة التشويه. وفي بعض الدول التي كان الهامش الحزبي فيه يتسع، كان يتم ذلك وفق آلية ترك المجال للأحزاب لخوض الصراع في ما بينها، أو تفجير الصراعات الداخلية وجعلها عرضة للتشرذم والتشتت.أدى إضعاف المجتمع السياسي العربي إلى انفراد الدولة باتخاذ القرار بمعزل عن أي مشاركة جماهيرية حقيقية. وبلغ الاحتقان أقصى درجاته، وجاء الربيع العربي تعبيرا عن الرغبة في دخول حقبة جديدة تكون المساهمة فيها جماعية ولا تقتصر على الدولة. وكان من الطبيعي أن تقطف الحركات الإسلامية ثمار هذا الحراك. لقد ظلت في أصعب الظروف وأحلكها تعمل على الحفاظ على وجودها، من جهة. ومن جهة ثانية، كان الوجدان الشعبي مهيأ للتواصل معها أكثر مما كان، مثلا، مع اليسار العربي الذي ظل النفور منه لدى الجماهير العريضة، بسبب مواقفه من المتخيل الثقافي التاريخي . أدى الربيع العربي إلى تعديل الدستور المغربي والاستفتاء عليه، وتشكيل حكومة جديدة. كما نجم عنه التخلص من أربعة رؤوس على رأس دول عربية ظلت تعيث فيها فسادا طيلة عقود طويلة، وإلى انتخاب حكومات جديدة، وهي الآن بصدد تعديل الدستور. ولا يزال الشعب السوري يواصل تضحياته الغالية جدا من أجل بناء مجتمع جديد. إن هذا التحول لا يعني، على ما اعتبر الاستثناء المغربي، أن المرحلة السابقة قد انتهت، وأننا على أعتاب مرحلة جديدة، ما لم يتم الوعي العميق بأهمية وضرورة الانتقال إلى المرحلة الجديدة بوعي جديد ورؤية مغايرة. ولا شك أن المجتمع السياسي المغربي يضطلع بدور كبير في استكمال مرحلة التغيير هذه، لكن المجتمع السياسي عانى كثيرا من التشرذم والضعف، وكل أنواع السلوك، بما فيها الانتهازية والفساد والاطمئنان إلى صناديق الاقتراع المبنية على "المُحاصّة". فكيف يمكنه أن يساهم في التحول وهو غير مستعد لذلك. لقد جاء الربيع المغربي بمثابة صدمة لبعض الأحزاب التي أحست بأنه جاء ليكون بديلا عنها. ولذلك، بادر البعض منها إلى اتخاذ موقف المعارض، وبعضها الآخر إلى الركوب عليه، في حين ترك بعضها الآخر الباب مواربا لأعضائه ليتصرفوا وفق ما تمليه عليه إرادتهم لغاية في نفس يعقوب. كل هذه المواقف لم تكن سوى تعبير عما آل إليه الوضع الحزبي ببلادنا.بعد مرور أزيد من ثمانية أشهر على الحكومة المغربية الجديدة، لا نجد أنفسناشهر أأااأاأا إلا أمام ارتباك واضح في أداء الحكومة والمعارضة معا. من السهل اتخاذ موقف مستعجل لتبرير هذا الوضع أو تفسيره، سيما أن الكل مدرك للشروط المحيطة والإكراهات التي صاحبت هذه التحولات وإفرازاتها محليا وجهويا ودوليا. لكني أرى أن كل التغييرات التي طرأت لم يواكبها تحول على مستوى الذهنيات. لقد ظلت الأحزاب، داخل الحكومة أو خارجها، تشتغل بالطريقة التقليدية التي كانت سائدة قبل هذه المرحلة. وأن النقاشات سواء، من خلال الإعلام أو داخل قبة البرلمان، ظل يطغى عليها السجال السياسوي الحزبي لا الحوار السياسي الوطني. كما أن الأوضاع الداخلية لهذه الأحزاب ظلت تقوم على أشكال الممارسة التي كانت سائدة. ويكفي أن نلاحظ الآن، وبعض الأحزاب عقدت، أو تستعد لإجراء مؤتمراتها كيف أنها عاجزة عن تأثيث بيتها الداخلي بصورة تبين لنا بجلاء أنها تواكب التحولات بوعي وترتقي إلى اللحظة بتصور جديد للعمل السياسي. كما يكفي أن نطالع الإعلام الحزبي، ودور المثقفين والمجتمع المدني في هذا التحول، لنجد أنفسنا أمام نقاشات جانبية وهامشية حول المستجدات الطارئة سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. ويدفعنا هذا الوضع إلى استخلاص أن عجز الأحزاب عن التغيير الذاتي يعرقل إمكانية التحول الديمقراطي. كانت تستدعي ضرورة التحول أن يتوقف المجتمع السياسي ويقوم بنقد ذاتي لتجربته التاريخية ويشرع بقراءة موضوعية لطبيعة المرحلة الجديدة ومتطلباتها على المستويات كافة، ويعلن أمام الشعب انخراطه الإيجابي ودوره في تدبير الوضع الجديد باعتماد رؤية مغايرة وتصور جديد، لكن واقع الصدمة أربك كل الحسابات والانتظارات. والآن ونحن على مدى تسعة أشهر نرى أنه آن الأوان، ولم يفت رغم التأخير، لانتقال الحكومة والمعارضة معا من ما قبل الربيع إلى ما بعده، لأن الارتباك الذي ظل مهيمنا بحثا عن ممارسة جديدة طال كثيرا. لا يكفي أن نلقي باللائمة على الحكومة، فهي تتصرف بالمنطق نفسه الذي يمارسه المجتمع السياسي، لأنهما معا لم يتخلصا بعد من الرؤية السياسية التقليدية نفسها.بدأت تظهر الآن دعوات لاستعادة الوحدة بين مكونات اليسار. كما بدأت المعارضة تبحث عن إمكانات توحيد صفوفها، لكن مطالب الوحدة والتوحيد يجب أن تتعدى الحاجة السياسية الظرفية، وأن تتأسس على رؤية استراتيجية بعيدة المدى، وإلا فستكون ذات منحى استباقي للانتخابات. ولا يمكن أن تظل ممارسة المجتمع السياسي المغربي مشروطة ومقيدة بالانتخابات. لقد جاء الربيع المغربي، وهذا هو الاستثناء المغربي لمن يتحدث عنه، ليقول من بين ما يريد أن يقوله: كفى من التعامل مع المغربي باعتباره ناخبا، لأنه يريد أن يعتبر مواطنا أولا. ومتى تحقق له الشعور بمواطنته الحقيقية يمكن أن يكون ناخبا إيجابيا. إذا لم ينتقل المجتمع السياسي إلى بناء تصور حقيقي للعمل السياسي، ويتجاوز أساليبه التقليدية فليس خليقا بأن يكون له موقع في الحياة السياسية، وأن الحديث عن الوحدة والتوحيد والانسجام سيكون فقط للاستهلاك لا للتقدم.لقد نجح حزب الاستقلال في تجاوز أزمته بانتخابه قيادة جديدة تحرص على التجاوز والتجديد، فهل سيتمكن الاتحاد الاشتراكي في أن يكون في مستوى التطور، فيتجاوز وضعه الداخلي، ويفلح في توحيد صفوفه قبل المطالبة بوحدة اليسار؟ وهل ستتمكن الحكومة والمعارضة معا في أن تكونا في مستوى تطلعات الشعب المغربي؟ ذاك هو الاستثناء المغربي الحقيقي. بقلم : سعيد يقطين, كاتب وناقد