مزايدات وصراعات هامشية بهدف التغطية على الفشل في نقل وعود الإصلاح إلى حيز التنفيذ إذا أردنا أن نعطي عنوانا للمرحلة الفاصلة بين تعديل الدستور والمرحلة الحالية فسيكون هو: «من انعدام الثقة إلى انعدام المعنى».كان ما يسم الوضع السياسي في بلادنا، على مدى عقود، هو انعدام الثقة في المؤسسات، وهو وضع وصلنا إليه بسبب الصراع السابق الذي أدى إلى استحكام الآليات السلطوية على حساب الآليات الديمقراطية، وصنع وضعا محتقنا سرعان ما تم تخفيف وطأته، بعد رحيل الملك الحسن الثاني، إذ عادت الآمال لتظهر من جديد، وهي الآمال التي لم تدُم طويلا، إذ سرعان ما عاد الثابت المميز للعلاقة بين المجتمع والسلطة ليترسّخ من جديد، ألا وهو تراجع الثقة وسيادة منطق التصادم والصراع المهدّد للسلم الاجتماعي. وقد تطور هذا الوضع بعد الأحداث الأخيرة المزلزلة التي أتت بها انتفاضات عدد من الشعوب، إلى وضع معقد يتسم بارتباك كبير في الحياة السياسية، جعلنا ننتقل من غياب الثقة إلى غياب المعنى، معنى السياسة، ومعنى المسؤولية، ومعنى المبادئ. انعدام المعنى، نقصد به الوجود في وضعية فقدان المنطق الذي يمكن أن يساعد على تفسير الظواهر السياسية التي تطفو على الساحة، الأمر الذي يرجع إلى سيادة الاضطراب والتردّد وغلبة التناقضات والمدّ والجزر على مواقف وتصريحات وسلوكات السياسيين من ذوي القرار، أو السابحين في فلك السلطة، ما يجعلهم يسقطون في فخ المزايدات والصراعات الهامشية وتصفية الحسابات، كما يجعل النزق وخفة اللسان الطابع المميز لسلوك عدد منهم من خارج وداخل الحكومة، والذين غرضهم الحقيقي التغطية على فشلهم في نقل وُعودهم بالإصلاح إلى حيز التنفيذ.كل هذا يحدث تحت شعارات براقة كانت ومازالت تحتل الشارع المغربي، معبرة عن طموح كبير إلى التغيير والخروج من النفق، لكن في الوقت نفسه، يبدو أن الشعار الذي يحتوي كل هذه الشعارات الإيجابية والمُغرية، هو الشعار المفضّل لدى الإصلاحيين الذين يصلون في تنازلاتهم درجة الانبطاح، وهو شعار «التغيير في إطار الاستمرارية»، الشعار الذي يُوهم بأنّ الأمر يتعلق بالإصلاح في إطار النظام القائم، بينما يعني في واقعنا المغربي استمرارية مساوئ الماضي، أو عمليا «اللاتغيير». ربما لم نعرف في بلادنا مرحلة على هذا القدر من اللخبطة، مثلما نراه الآن، هل هي مرحلة طبيعية في اتجاه التحول المنشود الذي يأتي ببطء شديد؟ أم هي بوادر «الإصلاح» على الأقل؟ أم أنها مؤشرات الاستسلام التام لمختلف الأطراف المشاركة في صياغة المشهد الحالي؟ بقلم: أحمد عصيد, كاتب