fbpx
حوادث

حملات الأمن بفاس لم تقطع أوصال الجريمة

المعدل اليومي للاعتقال تجاوز أحيانا 149 شخصا وأطراف تطالب بإحياء “التطواف” و”الأعمال الشاقة”

أعطت الحملات الأمنية التي شنتها مصالح أمن فاس، أكلها بإيقاف المئات من الشباب، نسبة مهمة منهم مبحوث عنهم، لكنها لم تقطع وصال حبل الجريمة التي استمرت بمدينة قدرها أن تعيش «هزات» وانفلاتات أمنية مثيرة لاحتجاجات سكان لم يعودوا يحسون بأمن وأمان سنوات خلت. لا أحد يمكن أن ينكر نجاعة حملات الأمن التمشيطية بعد تولي الوالي الجديد، لمهمته خاصة بعد وضع خطة أمنية استراتيجية محكمة والاستنجاد بعناصر من البيضاء والرباط وتكوين آخرين في فرق تدخل جديدة بينها فرقة الدراجين، ما تؤكده الأرقام الرسمية المعلنة من قبل ولاية الأمن. وأوقفت المصالح الأمنية 1936 شخصا خلال الأسبوعين الأولين من يونيو الماضي، بمعدل يومي قارب 129 موقوفا. و1029 موقوفا خلال الأسبوع الأول من شتنبر الجاري، بمعدل 149 شخصا في اليوم، بينهم 98 مبحوث عنهم. أرقام تؤكد حجم المجهود الذي بذلته الشرطة، ل»تنقية» الشوارع والأزقة والأحياء، من مجرميها.
 في أقل من ربع ساعة في ليلة أربعاء، تمكن 5 عناصر شرطة بزي مدني، من إيقاف 14 شخصا عبر دفعتين أمام معرض منظم بساحة فلورانسا، اقبل اقتيادهم للمنطقة الثانية للبحث معهم. أحد الموقوفين كان مسلحا بسلسلة حديدية، وآخرون ضبطوا لتورطهم في عمليات سرقة بالنشل وغيره.  وتؤكد الأرقام أنه في ليلة واحدة، أوقف 50 شخصا بالمدينة العتيقة، بعد تلويح تجارها وسكانها بالاحتجاج، على غرار احتجاج زملائهم في حيي المصلى وبنسودة. لكن الجريمة استمرت بإيقاعات مختلفة، بتسجيل سرقات للمارة والشقق والمتاجر، وسقوط قتلى في جرائم بشعة لن تنسى. وتشير إحصائيات ولاية الأمن بفاس إلى تحقيق نتائج مذهلة في مجال محاربة الجريمة بأنوعها والحد من الانتشار الواسع دور ومظاهر الدعارة والقمار ومقاهي الشيشة وغيرها، التي لم تكن الأيدي تطالها في فترات سابقة، رغم نشاطها المشبوه والمخل بعادات المغاربة وتقاليدهم.  
ولو أن نسبة الجريمة انخفظت نسبيا بعد الحملة الأخيرة، فإن العديد من المجرمين، لجؤوا إلى مناطق مجاورة لمواصلة أنشطتهم المحظورة خاصة من مروجي المخدرات والخمور دون رخصة، بل منهم من يبدع طرقا خاصة للتخفي قبل العودة مجددا بعدما يهدأ الوضع وتخف تلك الحملات التمشيطية.
حملات تبدو من أرقامها، نجاعتها وجدواها في الحد من نسبة الجريمة بالمدينة، لكنها البعض يتحدث عن «عشوائيتها» واستهدافها الجميع، دون تمييز أو تأكد من الهويات وما إذا كان الشخص ذو سوابق أو مطلوب للعدالة، قبل الإيقاف. وحجته الإفراج عن نسبة هائلة من الموقوفين فيها.  
هذا الطرف يتحدث عن وجود خروقات حقوقية فيها، بينها تصفيد منحرف وربطه بدراجة نارية، والتسبب في حادثة سير مميتة بعد مطاردة آخر بسيدي إبراهيم، أما الآخرون فيرمون بالكرة، في مرمى النيابة العامة التي متعت بعضهم بالسراح، أمام إكراه ضعف سعة سجني عين قادوس وبوركايز. السجنان يختنقان بنزلائهما ولم يعودان قادرين على استيعاب الأفواج المحالة عليهما، بعد كل حملة، فيما تذهب فئة ثالثة إلى المطالبة بتشديد العقوبات الحبسية وإحياء «الأعمال الشاقة» وعادة «التطويف» المستنكرة حقوقيا، ليكون «المجرمون المطوفون بالأزقة والشوارع، عبرة لمن لا يعتبر».  
وحجتها أن «السجن لم يعد وسيلة لتربية المنحرف، بل يكتسب في فترة عقابه تجارب ومهارات جديدة بين أقرانه، يوظفها خارجه لتطوير قدراته في ارتكابه الأفعال الجريمة»، إضافة إلى العلاقات التي ينسجها مع زملائه، التي قد تولد عصابات متخصصة في نوع معين من الجريمة خاصة السرقة والنصب.  وترى في «التطويف» رغم لاقانونيته، وسيلة للحد من «السيبة»، مشيرة إلى أن الأعمال الشاقة، طريقة لمراجعة سلوك المجرم. وتذهب في اتجاه مراجعة شروط وظروف الاستفادة من العفو، طالما أن العديد من المفرج عنهم لهذا السبب، عادة ما يعودون إلى السجن بعد أيام من ذلك.    
وتعيش فاس عند كل مناسبة عفو، على إيقاع الانفلات الأمني، بعد هدنة قد تعقب الحملات الأمنية التمشيطية وتخليص الشوارع من المتخصصين في السرقات بالنشل وتحت التهديد بالأسلحة البيضاء واعتراض سبيل المارة، والمطلوبين للعدالة في قضايا وملفات جنحية وجنائية مختلفة.
وتبقى المقاربة الأمنية لوحدها غير كافية لاستئصال أنواع الجريمة التي لم تصل بعد إلى أن تكون «منظمة»، لارتباطها بعوامل أخرى تدفع الكثير من الشباب إلى الانحراف. ومعالجتها الحقيقية يجب أن ترتبط بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية والأسرية للبحث في أسباب انحراف الشاب، ومعالجتها. البعض يقول إن فاس العلمية لا يمكن أن تكون مدينة «فاضلة»، طالما أن الجريمة موجودة بكل بقاع العالم وله ارتباطات عضوية بالفقر والبطالة وما جاورهما من مبيقات اجتماعية مرتبطة باضمحلال دور الأسرة واختفاء عوامل الاحترام والحشمة والوقار والاعتماد على الذات في الكسب الحلال.
أما المواطن الفاسي فلا يطالب إلا بتوفير الأمن والأمان له، الذي يمكن أن يحس به وهو يتجول في شوارع المدينة أو بحيه، كي لا يباغث من قبل منحرف عينه على هاتفه أو ما هو مخزن بجيبه، أو يرسم خريطة على وجهه لسبب تافه، تحفر في نفس الضحية، ندوبا لا تنمحي أبدا.
حميد الأبيض (فاس)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى