fbpx
مقالات الرأي

دارداني: المثقف الفولكلوري

یقول “إیمانویل كانط” في مقاله الشهیر بعنوان “ما هو التنویر” ؟ والذي كان في سیاق المناقشة التي طرحتها المجلة الألمانیة الشهیرة”مجلة برلین الشهریة” على مجموعة من المفكرین ، وكان رد كانط موجها للسؤال الذي طرحه أحد القساوسة البروتستانت ” یوهان تسولنر” وذلك في معرض انتقاد الأخیر لفكرة الزواج المدني ودفاعه عن الزواج داخل الكنیسة باعتبار ذلك أفضل للدولة ، وقد طرح هذا القس عبارة تهكمیة استفزازية حول تعریف التنویر ؛ كیف ینادي البعض بالتنویر قبل أن یعرفه لنا؟ فأجاب كانط بطریقة شمولیة : التنویر هو هجرة الإنسان من القصور ، والذي یرجع إلى الإنسان ذاته ، فهو لا یعود إلى قصور في الفهم أو العقل، ولكنه نقص في الإرادة والجرأة في استخدام العقل.

من هذا المنطلق فلیس عبثا أن نستحضر عصر الأنوار وأحد أكبر فلاسفته كانط الذي دافع بشدة عن مشروع السلام، والذي تم انتقاده في ملحق بعنوان ” نقد الفلسفة الكانطیة”من مشروع آخر بعنوان “العالم كإرادة وتجلي” للفیلسوف السیئ المزاج “آرثر شوبنهاور” أحد أكبر أعداء الفلسفة “الهیغلیة” شأنهم في ذلك شأن كراهية “فولتیر” “لروسو”، أو حتى تهكم “ماركس” “لكونت” لنكشف عن أحد أسباب العائق الابستمولوحي الذي تعانیه العلوم الاجتماعیة في مجتمعنا ، والذي یتمثل بالدرجة الأولى في معادلة قد لا نجازف بالقول أنها معادلة غیر متكافئة ، بل هي معادلة مهندسة خاصة وأن السیاق التاریخي یختلف بسبب عدة متغیرات لعل أبرزها سیرورة العولمة التي غیرت من إحداثیات (repères)هذه المعادلة بین متناقضین ألا وهما : التاریخ وما بعد الحداثة .

وعلیه سنراهن في هاته الورقة عن إماطة اللثام حول “بولیمیك” الدائر رحاه بین الكلاسكیین وما بعد الحداثویین، والذي ألقى بظلاله حول مفهوم “المثقف” هذا الأخیر أصبح ماركة مسجلة حول التوصیفات وتم تجاوز التوصیف الكلاسیكي بكونه (باع الماتش) إلى مفهوم “المثقف الخبزي” مرورا بالمثقف “العنكبوت” والمثقف “الحلزون”، لنركز على مثقف آخر من

نوع “فولكلوري”،له ممیازته، و طرائقه، ومناهجه، وأدواته یقوم بتجدیدها دوما وفقا للسیاقات الزمنیة المعولمة كي لا نقول المابعد-حداثویة ، باعتبارنا مجتمع مازال لم یتلذذ بعد بطعم الحداثة فما بالنا بما بعد-الحداثة .

إذن من هو المثقف الفولكلوري؟ماهي مناهجه؟طرائقه؟إلى أي حد یمكن مسائلة البرادیغم ما بعد حداثوي الذي تم إسقاطه على مجتمع كلاسیكي لیس على مقاسه ؟ هل نستطیع الحدیث عن واقع فولكلوري ومنظومة فولكلوریة ؟ هذا ما سنحاول التعرف علیه ضمن هذا الكوكتیل السوسیو-فلسفي بدء بأعمال مابعد الحداثویین ونظرائهم الكلاسیكیین ، ومقاربة الموضوع من فلسفة التاریخ وفق ثقافة الاعتراف دائما، محلقین بذلك عبر سماء الفلسفة الألمانیة المغطاة هاته المرة بسحابة مدرسة ” فرانكفورت” النقدیة المتأثرة بأعمال “كانط” وبالضبط الجیل الرابع المهتم ببرادیغم الاعتراف.

تجدر الإشارة إلى أن مفهوم الفولكلور یحیل على المأثور الشعبي الذي یمیز فئة عن أخرى، لها مواصفاتها المؤثرة على سلوكیات الناس وتصرفاتهم ، وقیمهم ومبادئهم، وهو أصناف: فولكلور شفوي كالأمثال الشعبیة وفولكلور ثقافي كالأخلاق والقیم وفولكلور طقوسي كالزواج والمهرجانات.

لكن بالنسبة لمجتمعنا ، فقد یشك المرء في نسق فولكلورنا المتعدد المشارب والألوان، تارة ما بعد حداثوي وتارة لاهوتي وتارة شعبوي ولیس شعبي، فولكلور تجاوز ألوان “الطیف” وألوان “قوس قزح” لدرجة أننا نتوجس من عمى الألوان (الدالتونیة)، والسبب بسیط نظرا لكون الفولكلوریین لا لون لهم.

ولتقریب القارئ من علاقة الفولكلور بما بعد الحداثة فیجب أن نشیر أن البرادیغم مابعد-الحداثوي لیس مشكلا في حد ذاته، إن تم إسقاطه على واقعنا حتى وإن لم یكن على مقاسنا، ٕلكن المشكل هو بعض الفولكلوریین الذین یجدون في هذا المنعطف فرصة للركوب على ماضینا ومناهجنا وأدواتنا والتي كانت إلى وقت قریب أكثر قربا من واقعنا المعاش ، بل عرفت سبر أغواره واختبار تضاریسه، ویطالبون بتجاوزها وكأننا في مجتمع ذاق نكهة التنویر، محاولین إیهامنا أنها تدخل ضمن نطاق تمفصلات كونیة ودینامیات سوسیوكونیة، وحبذا لو كان الأمر یتعلق بالضرورة المنهجیة التي استعملها أحد أكبر فلاسفة ما بعد الحداثة ” میشیل فوكو ” في مفهوم الممارسة الخطابیة ، إلا أن الأمر لا یغدو سوى غطاء تبریري لشرعنة الاستیلاب (l’alienation) المعرفي ، بعدما استحال الاستیلاب المنهجي، وهي عملیة لا تقل سخافة عن ذلك السكولائي الذي یرید أن یتعلم السباحة قبل أن ینزل إلى الماء …! وتلك هي اللطخة الأبدیة فوق البشریة، شبیهة بتوصیف “نیتشه” للمسیحیة عندما اعتبرها مصاص دماء الإمبارطوریة الرومانیة.

فالخطاب لا یحاكم من خلال مقولاته ورموزه وصلاحیاته وإنما من حیث تكیفه الموضوعي والابستمولوجي للتاریخ، وهو ماعمل علیه أحد رواد الفكر المغربي، یتعلق الأمر بالراحل “عبد الكریم الخطیبي” والذي استطاع تحلیل النظم الثقافیة المادیة والرمزیة ، ومزج الفقه بالسوسیولوجیا عبر تخلیص الجهاز المفاهیمي من النزعة الكولونیالیة وطبع البرادیغم المغربي بإعادة امتلاك الهویة، وهي المهمة التي انعكف علیها جیل جدید من الباحثین المغاربة أمثال عبد االله حمودي، حسن رشیق، عبد الجلیل حلیم ، رحمة بورقیة، المختار الهراس، مليكة البلغيتي، فاطمةمسدالي، فاطمةالمرنیسي، ومع صعود الإسلام السیاسي ظهور كتابات محمد الطوزي في تحلیل الحركات الدینیة بالمغرب .

عبد الكریم الخطیبي الرجل الذي عاش غریبا ومات غریبا أصبح الیوم یطاله النسیان خاصة وأن بعض الفولكلوریین(ات) یطالبون(ن) عبر رفع شعار لاهوتي: “إكرام المیت دفنه” (26فباریر2019).وشاءت الصدف أن یكون الیوم على بعد أیام قلیلة من ذكرى وفاته العاشرة (16مارس2009)، فحتى بوردیو قد ووري جثمانه (2002)، وتم استحضار فكره في ذكراه العاشرة (2012) وهو ما یؤكد أن الشعار المرفوع یحیل على میتافیزیقیة مقنّعة، فالأجدر بهم (ن) كان هو رفع شعار “مطرب الحي لا یطرب”.

إن صاحب “الذاكرة الموشومة” و “النقد المزدوج” یملك كل شروط الجدارة الفكریة ، یجعلنا نرفض وبكل جرأة تشیيء اسمه، فعبد الكریم الخطیبي لیس اسما سیاسیا أو ریاضیا أو ذو فكر ادیولوجي كي نكتفي بإطلاق اسمه على الشوارع أو الساحات أو بعض مرافق المؤسسات، بل یتطلب منا إعادة إحیاء فكره، والمصالحة معه ، فحتى اسمه ذو دلالة رمزیة مرتبط بالمقدس الذي صادف یوم ولادته، لذلك فلیس من الصدفة أن یهتم الرجل بالصراع حول الرمز ،وكم هو مؤسف أن یحتفل بمیلادك ملایین الناس وبعد موتك یطالب البعض بالزج بك في غیاهب النسیان.

وكما سبقت الإشارة إلى ذلك ،فالمشكل لیس في الفكر مابعد حداثوي بقدر ماهو أنطولوجیا خالیة من أي معرفة هویاتیة ،هي أنطولوجیا تلهث وتركض بلغة”سیجمونت باومان” وارء الاثنولوجیا، لم تستطع حتى استنساخ ماوصل إلیه نظرائهم الغربیون

زهير دارداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى