ربورتاج

مراكز تحاقن الدم تستغيث

خصاص حاد في المخزون ومواطنون يتبرعون بعد تجارب شخصية أليمة

مع نهاية كل صيف، تدق مراكز تحاقن الدم بالمملكة ناقوس الخطر معلنة نقصا حادا في مخزون الدم، بسبب ضعف إقبال المواطنين على التبرع خلال هذه الفترة. في المقابل، يزداد الطلب على أكياس الدم
التي تحدد مصير عدد من المرضى داخل مختلف المراكز الاستشفائية والمصحات، وتكتظ مراكز تحاقن الدم بالباحثين عن قطرات دم تضع حياة ذويهم على المحك.
 
إنجاز: يسرى عويفي
أمام شباك وحيد لتسليم الدم بالمركز الجهوي لتحاقن الدم بالبيضاء، اصطف المواطنون في طوابير طويلة، حاملين صناديق صغيرة لحفظ أكياس الدم التي سيتسلمونها بعد مشقة وطول انتظار.البعض منهم يهرولون مسرعين ما إن ينالوا مرادهم، فيما تعتلي سحنة اليأس وجوه البعض الآخر، ممن ولوا أدبارهم خاليي الوفاض، أو حصلوا على عدد أكياس لا تكفي لإنقاذ حياة ذويهم، بسبب خصاص مخزون الدم بالمركز.
وفي مقابل الاكتظاظ الذي يعرفه مدخل وشبابيك المركز، كانت القاعة المخصصة للتبرع بالدم شبه فارغة، وجلست الممرضات في أركانها يتجاذبن أطراف الحديث في انتظار قدوم أي متبرع محتمل. لكن معظم الزوار الجدد، كانوا مجرد مواطنين تائهين عن شبابيك تسليم الدم، ونادرا ما بارحت إحداهن مكانها لاستقبال متبرع أو متبرعة، إذ كن يكتفين بسؤال كل غريب “أجي، بغيتي تتبرع؟”، ثم يواصلن حديثهن بعد رفضه، واستبيانهن سبب قدومه.

عملية بسيطة
بعد دقائق من الانتظار بقاعة التبرع، أطل علينا شابان في مقتبل العمر مبديين رغبتهما في التبرع، فانتفضت إحدى الممرضات من مكانها وطلبت منهما التوجه إلى كراسي الاستلقاء، ثم نادت زميلتها التي سارعت بإحضار معدات الاشتغال، وأدخلت كل منهما إبرة جديدة معقمة في ذراعي المتطوعين، قبل أن توصلاها بأنبوب بلاستيكي رفيع وكيس للدم. وبمجرد استقرار الإبرة في مكانها، طلبت إحداهما من الشابين إحكام قبضتهما عدة مرات للمساعدة في تدفق الدم من الوريد، ثم وضعت جهازي اختبار ضغط الدم حول ذراعيهما لتسريع عملية ملء كيس الدم، وسحبت الإبرة بعد مرور حوالي 10 دقائق وامتلاء الكيس، لتقوم بعد ذلك بتنظيف مكان الإبرة ولف ذراعي الشابين بضمادة خاصة، قبل أن تمدهما بوجبة صغيرة تتكون من عصير وبسكويت.

تجربة شخصية
أخبرنا يوسف، وهو أحد الشابين اللذين ظلا مستلقيين على سرير التبرع بأمر من الممرضة، أنها أول مرة يتبرع فيها بالدم، بعد أن وقف عند أهمية هذه المادة الحيوية في إنقاذ حياة العديد من الأشخاص، وأولهم زوجته، إذ اكتشف قبل أسبوعين إصابتها بالقصور الكلوي، وطلب منه طبيبها جلب خمسة أكياس دم كي تتمكن من استكمال حصص تصفية الدم بأقل المضاعفات الصحية. وأضاف قائلا “لقد تقدمت بطلب الأكياس صباحا، ودفعت 310 درهم
، بالإضافة إلى حوالي 80 درهما مقابل إجراء التحاليل، وطلبت مني العودة في الواحدة بعد الزوال، لأجد نفسي في قائمة الانتظار لـ 4 ساعات، وأقرر التبرع بدوري لإنقاذ حياة شخص ما، في انتظار الحصول على نصيبي من الأكياس”.

عادة صحية
أما رضا، وهو الشاب الآخر الذي يدرس بكلية العلوم ابن مسيك، فأخذ على عاتقه التبرع بالدم عادة سنوية، منذ وفاة أبيه بسبب حادثة سير تسببت في فقدانه الكثير من الدم، مشيرا إلى أنه يحرص على توعية زملائه وأصدقائه بأهمية التبرع بهذه المادة الحيوية، ويشجعهم على المشاركة في الحملات التي تنظمها الكلية، مرة في كل أربعة أشهر، بشراكة مع المركز الجهوي لتحاقن الدم.
ويتابع رضا، البالغ من العمر 21 سنة، حديثه قائلا “إنها رابع مرة أتبرع فيها بالدم بغض النظر عن الإشاعات التي تروج حول بيع أكياس الدم والسمسرة فيها… أنا لا أنظر للأمر من الناحية الإنسانية أو الدينية بقدر ما أعتبره عادة صحية تكسب الجسم مناعة ضد السرطانات، وتساعد على تنشيط نخاع العظم في إنتاج خلايا دم جديدة تستطيع حمل كمية أكبر من الأوكسجين إلى أعضاء الجسم الرئيسية”.
 

خصاص حاد
من جهته، أكد الدكتور لحسن فالق، اختصاصي في أمراض النساء والتوليد، ورئيس جمعية الأمل لمرضى السرطان بالمحمدية، أن نسبة التبرع بالدم في المملكة لا تفوق 0.9 في المائة من مجموع المواطنين، في الوقت الذي تشير فيه منظمة الصحة العالمية إلى أن معدل التبرع بكل بلد لا يجب أن يقل عن 5 في المائة من المواطنين، كي لا يكون هناك نقص في موارد هذه المادة الحيوية.
وفسر الدكتور فالق أسباب الخصاص الحاد الذي تعرفه المملكة في مخزون الدم، بالتفكير الأناني لعدد من المواطنين الذين “يعتبرون أنفسهم بمنأى عن الوقوع في ظروف تحوجهم للدم، ولا يعرفون بقيمة هذه المادة إلا حينما يحتاجها أقرباؤهم أو ذووهم، فيتحمسون حينها للتبرع بناء على تجربتهم الخاصة”. ويضيف “تزداد حدة هذا الخصاص خلال مرحلة الصيف والأعياد. ذلك أن وزارة الصحة تعتمد بشكل كبير على الحملات والقوافل المتنقلة لتوفير مخزون الدم، وغالبا ما تتمركز هذه القوافل في المساجد أو المدارس أو المعامل أو الساحات العامة، لكن نشاطها يتوقف نسبيا خلال العطل ( إغلاق المدارس والمعامل) ولا يبقى لها سوى المساجد والساحات العامة، التي تعرف بدورها تراجعا ملحوظا في نسبة المتبرعين في هذه الفترة. في المقابل يزداد الطلب على الدم خلال العطلة الصيفية ( مابين يونيو وشتنبر)، بسبب ارتفاع معدلات حوادث سير والولادات..”

400 كيس يوميا

أشار الدكتور لحسن فالق إلى أن الدم المتبرع به في مواقع التبرع أو عن طريق القوافل المتنقلة، يتم تجميعه ونقله إلى المراكز الجهوية لتحاقن الدم، حيث يتم تقسيمه إلى ثلاثة مكونات : الصفائح والكريات البيضاء والكريات الحمراء، وتوزيعه حسب الطلب والمخزون المتوفر.
واستطرد قائلا ” في جهة البيضاء مثلا، يتوصل المركز الجهوي لتحاقن الدم، يوميا، بـ 400 طلب أكياس دم، تتقدم بها 250 مؤسسة، بما فيها المستشفيات العمومية والمصحات الخاصة، لكنه لا يستطيع توفير هذا الكم من الأكياس لأنه لا يتوفر عليها، فيتم إعطاء الأولوية للحالات الحرجة والمستعجلة، فيما تحصل الحالات الأخرى على نصف أو ربع عدد الأكياس المطلوبة، حسب ما هو متوفر”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق