منبر

حرية الجسد … “دعوا الحب يتنفس”

مطالب بتحرير الأجساد من قبضة القوانين والأعراف والدين والنساء سئمن الوصاية

“لا أريد أن أشعر بالعار بعد اليوم، إذا أحببت، أو أجهضت، أو مارست الجنس خارج الزواج”، لخصت هذه الجملة، التي وردت في بيان حملة “الخروج عن القانون”، التي أطلقتها مغربيات، على خلفية النقاش الحارق المثار حول حرية الجسد، بعد توالي الاعتقالات بتهم الفساد والإجهاض والعلاقات غير الشرعية، (لخصت) مطالب جزء كبير من النساء المغربيات، اللائي سئمن أشكال الوصاية، التي يفرضها عليهن المجتمع المغربي “الرجولي”، بتاريخه وعاداته وقوانينه ودينه.
انتفضت المغربيات ضد “اعتقال” أجسادهن، ويطالبن بتحريرها، ورفع التجريم عن العلاقات الرضائية، ووقف توزيع صكوك العفة، والأوصاف البالية الجارحة من قبيل (بنت دارهم، عزبة…)، التي تطلقها على المرأة دون الرجل، إذ تحملها العادات والتقاليد مسؤولية نتائج العلاقات الجنسية، سواء تعلق الأمر بـ “الفضيحة” أو الحمل أو الإجهاض وغيرها، إذ تطاردها لعنة السماء والأرض، وكثير من النساء ينتحرن أو يؤذين أنفسهن أو يهجرن بيوت أسرهن ويرتمين في أحضان الشارع والدعارة، فقط لأنهن مارسن حقهن في الحب والجنس، وأما الرجل فيبقى دائما خارج المعادلة، ولا يشعر بأي نوع من العار، بل على العكس يكون فخورا، ويشعر بفحولته، ويعتز بتدوين اسم جديد في سجل ضحاياه.
ليست عادات وتقاليد المجتمع وحدها التي تعاقب المرأة على ممارسة حقها في الحب والجنس، وتسلبها حق التصرف في جسدها، بل للدين كذلك نصيب، من خلال الصورة التي رسمها للمرأة، والحدود التي وضعها لها، ونمط العيش والقيم الذي خصه بها، إذ تولد المرأة في المغرب والمجتمعات الإسلامية عموما، وقد رسم لها سلفا المسار الذي ستسير فيه، والحواجز التي لا يمكن أن تقفز عليها، فإذا كانت تبتغي مرضاة الله والأسرة والمجتمع، فوجب عليها أن تأخذ مسار المرأة “المؤدبة” العفيفة، التي لا تتحدث عن الجنس ولا تنطق الكلام “الفاجر”، وتغطي جسدها، وتكون زاهدة في الحياة، ولا تعتني بجمالها ومفاتنها، وتحرم نفسها من ممارسة الجنس مثل راهبات الكنيسة، وأما إذا “وسوس” لها “شيطانها”، وأرادت أن تخرج عن المسار، وتعبر عن شخصيتها، وتفك ارتباطها بالرجل، وتضع حدا لوصاية الرجل، فسيكون عليها أن تتجند، وتستعد نفسيا وماليا وجسديا لمواجهة مجتمع برمته سيعمل بكل ما أوتي من جهد، لكسر شوكتها.
وإذا كانت النساء أكثر تضررا من نفاق المجتمع، الذي يدينهن دون غيرهن، فإنهن اليوم لم يعدن يطقن تحمل مسؤولية مشتركة، وقد تكون أحيانا مسؤولية الرجل بامتياز، الذي يغويها ويغرر بها باسم الحب، وفي الأخير يتركها تواجه سيلا من الرماح التي تطلق عليها من كل جانب.
ولا عجب أن يقهر المجتمع المغربي المرأة، لأن جزءا كبيرا منه، يعتقد بخرافة نقلها “البخاري” في ما يسمى “الصحيح”، مفادها أن الله خلق المرأة من ضلع الرجل، وليس أي ضلع، بل ضلع أعوج، مؤكدا على أنها كائن أعوج بطبيعتها، فكيف يمكن لرجل متشبع بأن المرأة جزء منه، وله الفضل في وجودها، أن لا يفرض عليها الوصاية، لكن ما يحز في النفوس، أن المغرب ينادي بالمساواة والمناصفة، وما يزال الأساتذة يرددون على مسامع التلاميذ أن البخاري أصح كتاب بعد القرآن، رغم أنه يقر باعوجاج المرأة، وأنها من أحد أطراف الرجل.

عصام الناصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق