مقالات الرأيوطنية

“حقوقيو” الصحراء يتمردون على “بوليساريو”

تلقوا تدريبات عسكرية حول تفكيك الأسلحة والرماية بـ «الكلاشينكوف» في المهيريز

بقلم: الفاضل الرقيبي

لم تكن ظروف الاحتجاز المهينة، التي طبعت مقام أعضاء المجموعة التي استقدمتها “لبوليساريو” من الصحراء إلى بومرداس الجزائرية للمشاركة في الدورة 10 من الجامعة الصيفية، لتمر دون أن تعمق هوة التناقضات والتضاربات داخل قيادة إبراهيم غالي وعصابته، الذين وجدوا أنفسهم، هذه المرة، في مرمى نيران أجرائهم من هذه المجموعة الارتزاقية، التي تنشط تحت يافطة حقوق الإنسان، بعدما ضاقوا ذرعا بظروف الاحتجاز والحجر، الذي خضعوا له، من قبل الاستخبارات الجزائرية في “معهد البترول”، كما تطرقنا لذلك في مقالنا السابق، قبل أن تتعمق معاناتهم في المهيريز، إذ تم نقلهم لإكمال الشطر الثاني والغريب من مهمتهم في الجزائر.
فبعيدا عن أجواء المحاضرات والمداخلات الروتينية أمام عدسات الكاميرات، المخصصة في الأصل للاستهلاك الإعلامي الأعمى، كان لأفراد مجموعة بومرداس من “حقوقيي” الصحراء، موعد مع الحياة العسكرية والأساليب القتالية في منطقة المهيريز، حيث خصصت لهم “بوليساريو”، بتنسيق مع الجيش الجزائري، دورة تكوينية وتدريبية حول تقنيات تركيب الأسلحة وحصص في الرماية بسلاح الكلاشينكوف وغيرها من التمارين والتقنيات، التي تدخل في صميم العمل العسكري، في مشهد متكرر، يكاد يعاينه صحراويو المخيمات كل سنة مع كل مجموعة مجندة قادمة من المغرب، دون أن يستطيعوا فك طلاسيم هذا اللغز، خاصة أن “بوليساريو” تؤكد في خطابها الرسمي على الصفة المدنية والحقوقية لهؤلاء الجنود الحقوقيين، بينما تنكر على كل صحراوي في تندوف أي نشاط حقوقي صرف يعاكس مصالحها أو ينتقد سياستها، ولا تتردد في الزج بهم في السجون لتكميم أفواههم، كما حصل مع المعارضين الثلاثة مولاي أبا بوزيد والفاضل بريكة ومحمود زيدان، الذين ما زالوا لم يعرفوا بعد التهم التي اعتقلوا من أجلها ونوع الجرائم التي ارتكبوها، رغم أنهم لم يذهبوا يوما للمغرب لتلقي تدريبات حول استعمال أسلحة الكلاشينكوف.
لم يكن مقام عناصر هذه المجموعة “الحقوقية – العسكرية” ليختلف عن سابقيه لولا أجواء التهميش والتضييق، التي تعرضوا لها أثناء مقامهم في بومرداس والمهيريز، على عكس ما وعدهم بهم قياديو الجبهة، وهو الأمر الذي أثار حفيظة العديد من أفراد هذه المجموعة، حيث بدا واضحا الامتعاض والغضب الكبير لبعض أفرادها الذين أبدوا دهشتهم من سوء الخدمات المقدمة إليهم، بما في ذلك الخدمات الطبية البسيطة، وهو ما جعل العديد منهم لا يتحرج من التصريح علانية، بأن المعاملة السيئة التي تلقوها لا تتناسب مع مكاسب “بوليساريو” من وراء استقدامهم إلى الجزائر لتلميع صورتها أمام المحتجزين في المخيمات وإيهامهم بانتصارات وهمية في الصحراء، وهو ما يفسر امتناع العديد من أفراد هذه المجموعة على القيام بتحية علم الجبهة لأكثر من مرة.
التمرد الذي عبر عنه أفراد هذه المجموعة “الحقوقية” الارتزاقية، وإن كان لا يفاجئ الصحراويين المحتجزين في المخيمات، الذين يؤمنون بلعن الراشي والمرتشي، فإنه يهتك بشكل واضح ستر حجاب الخداع والتضليل، الذي تتذرع به الجبهة في حربها ضد الصحراويين أولا قبل المغرب.
ففي الوقت الذي لا تتردد فيه “بوليساريو” على وأد كل صوت حر في المخيمات، وقمع كل المحاولات المدنية السلمية للمحتجزين للحصول على أبسط حقوقهم وحرياتهم، التي يكفلها لهم القانون الدولي، نجدها تزين صدور مستأجريها من ضباع حقوق الإنسان في الصحراء، الذين حولوا هذا النوع من النضال الشريف، إلى أصل تجاري يقتاتون منه على حساب إخوانهم المحتجزين في تندوف، مقابل الحصول على ثمن بخس، كما فضحت ذلك الخرجات التي فجرتها الظروف السيئة لرحلة مجموعة بومرداس، والتي دفعت بعضهم إلى الاعتراف بأن قدومهم إلى الجزائر، كان من أجل الحصول على المنحة المادية (200 دولار أمريكي و10 دنانير جزائري) ، التي تخصصها “بوليساريو” لأفراد هذه المجموعات الزبالة، أو الاستفادة من التسهيلات، التي توفرها لهم الجبهة لنيل تأشيرة العبور للضفة الأوربية.
هذه هي تندوف وهذه هي “بوليساريو”… رحلات سياحية بتأشيرات تحمل طابع النضال، وأفواه مستأجرة تنادي بحقوق الإنسان وتتدرب على أسلحة الكلاشينكوف، وبطون جائعة في المخيمات لا تسأل إلا عن الخبز ولا تنشد إلا الكرامة يرمى بها في السجون… والجميع في تندوف يسأل: أين حقوق الإنسان؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق