fbpx
افتتاحية

“لعب الدراري”

يُخيل لمسؤولين في الدولة والإدارة وموظفين (بمستوياتهم)، وفاعلين في أحزاب ونقابات وجمعيات ومواطنين عاديين، أن أقصر حائط في هذه البلاد هو القانون، الذي يمكن “القفز” عليه في أي لحظة، دون خوف من عقاب، أو متابعة.
فالجميع (تقريبا) يخرق القانون، بالطريقة التي تناسب مصلحته الذاتية في وقت محدد، وكأن الملايين التي تصرف، سنويا، على الإنتاج التشريعي في مختلف الميادين والقطاعات والمجالات وكل المجهودات والتضحيات المبذولة، منذ سنوات، لتنزيل مشروع دولة الحق والقانون، مجرد “لعب الدراري”.
فأينما وليت وجهك، تزكم أنفك أخبار سيئة عن اختلالات وتجاوزات وخروقات تكون ضحيتها نصوص قانونية صريحة، يستعملها البعض لقضاء مآربه الآنية، بل قد يُنعت المواطن، أو المسؤول المُحترم للقانون بالغباء والتخلف والانتماء إلى الزمن القديم، أما “القافز” فهو من يتحايل وينصُب و”يعبر” من جميع الممرات والطرق بطرق “بهلوانية” سلسة!!
وعادة ما تبدأ الاختلالات صغيرة، ثم لا تلبث أن تكبر و”تترقى” في سلالم المسؤولية، إلى أن تصل إلى مستويات عليا تكون معالجتها مكلفة جدا أخلاقيا وتنمويا واقتصاديا على البلاد برمتها.
فحين يسمح مواطن لنفسه بطلب وثيقة دون وجه حق، مقابل رشوة، ويقبل موظف المقاطعة هذا “العرض” عن طيب خاطر ويضع توقيعه وطابعه دون تردد، فتلك إشارة (رغم صغرها) بأن الأمور لا تسير بخير، علما أن المواطن والموظف يدركان أنهما “يشتغلان” في نسق اجتماعي وسياسي وأخلاقي يقبل مثل هذه السلوكات ويطبع معها إلى أبعد الحدود، ويعتبرها “عادية”، بل مطلوبة.
وكلما صعدنا في السلم وجدنا أشكالا أخرى من الخروقات والتجاوزات التي يكون المقابل فيها باهظا ومكلفا، سواء في مجال الصفقات العمومية والاستثمار، أو في المجال الأمني والقضاء، أو في الأوساط الطبية وفضاءات المستشفيات والمراكز الصحية، بل امتد التعفن إلى قطاع التربية والتكوين، حيث تخرق القوانين والمراسم والدوريات يوميا، من قبل إداريين وأساتذة وآباء وتلاميذ.
والطامة الكبرى أن سلوك خرق القانون وتجاوزه وعدم احترامه (من منطق أن القانون وضع لخرقه)، أضحى ثقافة يومية، يمكن الوقوف على مظاهرها في الشارع العام، حين يتواطؤ المنتخب ورجل السلطة وصاحب المقهى، أو المحل التجاري، أو البائع المتجول في احتلال الملك العمومي، وحين يصبح وجود شرطي المرور “شرطا” لاحترام علامات التشوير والأضواء، وغيابه يعني إعلان خرق صريح.
أما في المجال النقابي وباقي تمثيليات العمال والمستخدمين والموظفين، فيصح القانون رخوا إلى أبعد الحدود، يمكن امتطاؤه في أي لحظة والدوس عليه، وقد تتحول الدولة والمجتمع والاقتصاد والأمن والسلامة في لحظة، إلى رهائن تستعمل للمساومة والابتزاز، من أجل مطالب قد تكون تعجيزية.
ولعل ما يجري اليوم بأكبر مرفق عمومي للطيران الجوي (مطار محمد الخامس الدولي)، من فوضى وتخويف من قبل “شرذمة” من عمال الخدمات الأرضية لفرز وشحن الأمتعة، يدل على تمثُل الكثيرين منا للقانون وضوابطه وروحه ونصوصه.
مشاهد مرعبة بكل المقاييس تتعامل معها قطاعات واسعة من الدولة، بمنطق كم حاجة قضيناها بتركها، علما أن أحد أسباب وجود الدولة في حد ذاتها، هو التطبيق الصارم للقانون وعدم التسامح بخرقه، تحت أي مبرر.
هنا يكمن الفرق بين دولة القانون والدولة الرخوة..
ولكم الاختيار..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى