الأولى

حديث الصباح: رسائل واضحة ومشفرة بخطاب العرش

الحكومة لم تأت لمراجعة المكتسبات أو تضييقها وليس من مسؤولياتها تحديد التوجهات الكبرى

ألقى الملك محمد السادس خطاب العرش في الذكرى 13 لاعتلائه سدة الحكم، وهو أول خطاب في عهد حكومة يقودها حزب العدالة والتنمية الإسلامي. وحرص الملك على وضع التغيير الذي يعيشه المغرب في سياقه التاريخي وشروطه السياسية، ما يحافظ للمغرب على تميزه وتفرد تجربته السياسية، على اعتبار أن التغيير والإصلاح اللذين يعرفهما المغرب ليسا وليدي ثورة ولا انتفاضة؛ ما يعني أن المغرب انخرط بإرادة ووعي في عملية الإصلاح منذ 13 سنة، تميزت بفتح أوراش كبرى على المستوى السياسي والاقتصادي والتنموي والاجتماعي والبيئي، والتي تتطلب إرادة سياسية حقيقية لتجاوز أعطاب الماضي، والتأسيس لدولة الحق والقانون. وفي هذا الإطار، ذكّر الخطاب الملكي بالأوراش التي أرّخت لدخول المغرب إلى ما بات يعرف بـ»العهد الجديد»، ومنها:
ـ  تحقيق مصالحة المغاربة مع ذاتهم وتاريخهم، وذلك من خلال عمل هيأة الإنصاف والمصالحة.
ـ رد الاعتبار إلى الأمازيغية كمكون من مكونات الهوية   ورصيد مشترك لجميع المغاربة.
ـ توسيع فضاء الحريات وحقوق الإنسان.
ـ هيكلة الحقل الديني من أجل تحصينه من الاختراقات المذهبية وتوفير الأمن الروحي للمغاربة ضد التطرف الديني.
ـ تخويل المرأة وضعا٬ في إطار مدونة الأسرة، يحفظ لها كرامتها وينصفها ويمكنها من سبل المشاركة في الحياة العامة.
ـ إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية منذ سنة 2005، وفق رؤية شمولية لمحاربة الإقصاء والتهميش والفقر.
ـ فتح ورش المراجعة الدستورية  وفق مقاربة تشاركية.
والملاحظ في الخطاب الملكي أنه إلى جانب التوجيهات يحمل رسائل واضحة ومباشرة إلى الحكومة ورئيسها،  وهي المرة الأولى التي يتضمن فيها خطاب الملك رسائل مباشرة إلى الحزب الذي يقود الحكومة. ومن أبرز الرسائل وأكثرها دلالة:
 ـ العمل على استغلال التحولات الإقليمية والدولية  لتفعيل اتحاد المغرب العربي «ففي ما يتعلق بمحيطنا المغاربي المباشر٬ فإن التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة تمنحنا فرصة تاريخية للانتقال بالاتحاد المغاربي من الجمود الى حركية تضمن تنمية مستدامة ومتكاملة». فالتصريحات التي صدرت عن وزير الخارجية سعد الدين العثماني في موضوع فتح الحدود مع الجزائر، وأن المغرب لا «يستجدي» الجزائر؛ تكشف قلة الخبرة والدربة بمجال العلاقات الدولية. ومن شأن مثل هذه التصريحات أن تزيد العلاقة مع الجزائر تأزما وسوءا. لهذا كان الخطاب الملكي واضحا في الحث على استغلال الفرصة التاريخية التي تتاح للمغرب بزوال نظام القذافي الذي كان ممولا رئيسيا لبوليساريو، ووجود علاقة نوعية مع المجلس الانتقالي تستوجب تقويتها وتطويرها عبر دعم التجربة الليبية الفتية في شتى المجالات، الأمر الذي سيمنح المغرب فرصة للعب دور رئيسي في تحديد مصير اتحاد المغرب العربي وإخراجه من حالة الجمود التي تفرضها الجزائر عليه بتحالفها السابق مع القذافي. الآن، موقف المغرب من تفعيل الاتحاد مدعوم بقوة من ليبيا وتونس وموريتانيا، ما يفرض على الجزائر مجاراة الديناميكية التي سيطلقها لقاء القمة المقبل الذي سيحضره الملك إلى جانب رؤساء الدول المغاربية.

والدافع إلى بعث هذه الرسالة إلى الحكومة هو موقف رئيسها بنكيران الذي صرح لقناة الجزيرة بأن المغرب لن يحضر القمة المرتقبة، إلا إذا فتحت الجزائر حدودها مع المغرب، وأي مقاطعة للقمة المغاربية في ظل الشروط التاريخية المواتية للمغرب ستكون هدية على طبق من ذهب إلى الجزائر التي تشهد علاقتها بليبيا تدهورا لم تشهده طيلة حكم القذافي.   
ـ ضرورة احترام ثوابت المغرب في تعامله مع دول العالم “ستظل الدبلوماسية المغربية وفية لثوابتها العريقة في التعامل مع العالم الخارجي”. وهذه رسالة قوية إلى رئيس الحكومة ووزير الخارجية بضرورة الالتزام بالثوابت في التعاطي مع القضايا الدولية. وتكفي هنا الإشارة إلى الأزمة السياسية التي كاد يتسبب فيها بنكيران إثر الاستقبال البارد الذي واجه به المسؤوليْن الحكومييْن من بلجيكا، إذ لم يكلف بنكيران نفسه طيلة اللقاء التوجه بالحديث إلى وزيرة العدل؛ واكتفى بالحديث إلى وزير الخارجية، بل خاطب الأخير بقوله (كان من غير المفيد اصطحاب مترجمة معك)، الشيء الذي اعتبرته وزيرة العدل حينها إهانة شخصية في حقها، حسب صحيفة “لا ليبر”.
ـ التشديد على عقد البيعة بين الملك والشعب ومواصلة العمل “وبصفتنا أميرا للمؤمنين ما فتئنا نعمل  بمقتضى البيعة المقدسة التي نتولى أمانتها العظمى”. وهذه رسالة مباشرة ورد حاسم على دعوة الدكتور الريسوني وأطراف من داخل حزب العدالة والتنمية إلى إلغاء حفل الولاء والاكتفاء بالبيعة الأولى التي تمت للملك عند توليه العرش.
ـ تأكيد النهج الوسطي السمح للإسلام السني الذي يتبعه الشعب المغربي منذ 12 قرنا “تظل المملكة المغربية نموذجا في الالتزام بالإسلام السني الوسطي السمح، الذي لا مكان فيه للتطرف والتعصب والغلو والانغلاق”. والرسالة موجهة إلى وزير العدل مصطفى الرميد الذي ظل يناصر التيار السلفي بكل أطيافه ـ الحركي والجهادي ـ أيام المعارضة، وواصل مساندته للتيار بعد الاستوزار من خلال الزيارة التي قام بها للمغراوي في إحدى “دور القرآن” التي وعده من داخلها بالعمل على إلغاء قرار الإغلاق الذي اتخذته السلطات العمومية، بسبب فقه الغلو وثقافة الكراهية التي تشيعها هذه الدور بين روادها، في إشارة مساندة من الوزير إلى الشيخ المغراوي الذي رد على الزيارة بالتأييد المطلق لحكومة بنكيران والتمكين لها إلى يوم الدين.  
ـ التحذير من الاستغلال السياسوي للأوراش الكبرى وكذا برنامج المساعدة الطبية.
نستشف من رسائل الخطاب الملكي أن الحكومة مسؤولة عن تدبير الشأن العام في إطار ما ينص عليه الدستور، ما يلزمها باحترام المكتسبات التي تراكمت والعمل على توسيعها. فالحكومة لم تأت لمراجعة المكتسبات أو تضييقها، كما ليس من مسؤولياتها تحديد التوجهات الكبرى، سواء للسياسات العامة أو  للسياسة الخارجية.
ـ حث الحكومة على “التجاوب مع المتطلبات الاجتماعية للمواطنين مع الحرص على تحقيق حكامة جيدة للسياسة المالية لبلادنا، بهدف تحصين قدراتها التنموية والحفاظ على مصداقيتها على الصعيد الدولي”.
ـ التشديد على محاربة الرشوة والفساد “ينبغي إضافة إلى ذلك، إيلاء عناية خاصة لتفعيل المؤسسات المنصوص عليها في الدستور الجديد، ذات الصلة بالحكامة الجيدة، ومحاربة الرشوة، وبالتنمية الاقتصادية والاجتماعية  بصفة عامة”. وهذه رسالة إلى رئيس الحكومة الذي رفع شعار “عفا الله عما سلف”، الأمر الذي سيشجع الفساد والمفسدين؛ خصوصا أن بنكيران صرح أكثر من مرة بأن الملك يحثه ويشجعه على محاربة الفساد. فالإشارة/الرسالة هنا تخص التنزيل السليم والديمقراطي للدستور الذي تتحمل الحكومة ورئيسها كل المسؤولية فيه.

 بقلم : سعيد الكحل

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق