fbpx
تقارير

الصحراء بين الجهوية المتقدمة والحكم الذاتي

الباحث بحري طرح إشكالات عميقة حول الموضوع ونال دكتوراه بميزة مشرف جدا
ناقش الطالب الباحث، حميد بحري، نائب والي أمن البيضاء، السبت الماضي، بكلية الحقوق بالبيضاء أطروحة لنيل الدكتوراه، تحت عنوان “الأقاليم الصحراوية المغربية بين الجهوية المتقدمة والحكم الذاتي”. وتشكلت لجنة المناقشة من الدكتور أحمد السالمي الإدريسي، أستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني، رئيسا، والدكتور حسن خطابي، أستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الأول، والدكتور محمد سالم ورياغلي، أستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني، والدكتور محمد الحاج مسعود أستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني.

انطلق الباحث بحري من إشكالية كبرى، أكد من خلالها أنه إذا كانت الجهوية أحد مظاهر الديمقراطية فإلى أي مدى يمكن اعتبار الجهوية مرحلة تحضيرية لإرساء الحكم الذاتي بالأقاليم الصحراوية ؟ وهل يمكن التعامل مع الحكم الذاتي مظهرا من مظاهر مبدأ حق تقرير المصير ؟ وهل يلتقي هذا التوجه في الأخير مع هدف توطيد الديمقراطية في المغرب ؟
وللإجابة عن السؤال طرح الباحث ثلاث فرضيات:
1 ـ تبني الجهوية المتقدمة في المغرب يأتي في سياق مسلسل الانتقال الديمقراطي الذي تعرفه المملكة.
2 ـ يمكن اعتبار تفعيل الجهوية المتقدمة مرحلة تمهيدية نحو تطبيق الحكم الذاتي.
3 ـ يعتبر الحكم الذاتي مظهرا من المظاهر الحديثة لتطبيق مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها.
وقدم بحري عرضا حول أطروحته من خلال العلاقة بين متغيرات الإشكالية الثلاث وهي : الجهوية المتقدمة والمشروع المغربي للحكم الذاتي ومبدأ حق تقرير المصير، لنصل إلى تأكيد الفرضيات المطروحـة .

الجهوية عبر التاريخ المغربي

تعد الجهة بالمغرب حسب الباحث بحري كيانا ترابيا ومستوى إداريا يلعب دور الوسيط بين السلطة المركزية وباقي الوحدات الترابية اللامركزية، تم تبنيها في سياق التحولات التي تعرفها الدولة المغربية، من أجل أن تلعب أدوارا طلائعية داخل المنظومة الاقتصادية والسياسية والإدارية وتحقيق التنمية المستدامة بالمغرب. على أن التنظيم الجهوي ليس بحديث العهد في المغرب، فقد عرفت الدولة المغربية، خلال تاريخها العريق، مجموعة من التنظيمات الإدارية للتدبير الترابي، فرضتها الظروف التاريخية وطبيعة النظام السياسي، على أن ما يطبع هذه التنظيمات هو طابعها التقليدي القائم على مؤسسة “أجماعة”، التي كانت تدبر مختلف القضايا المحلية التي كانت تهم السكان، وكان يرأسها شخص يدعى “أمغار”، يتولى تنفيذ قراراتها وتدابيرها.
فهناك إجماع على أن النظام السياسي المغربي كان ذا طابع مركزي، إلا أن اتساع مساحة المملكة المغربية وتواضع وسائل المواصلات، جعلا التدبير المخزني للمجال المغربي يتخذ طابعا جهويا غير ممركز، حيث كانت الروابط بين المركز والمحيط تعتمد على رابطة البيعة أكثر مما تعتمد على التدبير المباشر لشؤون الأقاليم، على أن هذا لا يعني تمتيع الإقليم أو المنطقة بالشخصية المعنوية. فقد عرف المغرب منذ قيام الدولة فيه تنظيما جهويا تقليديا، اعتمد في جزء منه على الامتدادات القبلية، وفي جزء آخر على المؤسسات المخزنية، هذه الثنائية المجالية اصطلح على تسميتها ببلاد السيبة وبلاد المخزن.
وهناك من يرى أن النظام القبلي القديم لم يصل إلى مستوى التنظيم الجهوي كما هو متعارف عليه اليوم، قائم على مخطط معقلن وقانون ضابط، وأن الإرهاصات الأولى للتنظيم الجهوي في المغرب، بهذه المواصفات، ظهرت مع فترة الحماية الفرنسية التي قضت على البنيات التقليدية وتعويضها ببنيات إدارية جديدة، هكذا وضعت سلطات الحماية تنظيما جهويا يعتمد أسسا أمنية، ويهدف إلى تسهيل عملية السيطرة على كل أنحاء المغرب، وتشديد المراقبة على كل التراب الوطني. فشكلت الجهة بذلك حلقة بين الإدارة المركزية والمرافق الإدارية المنتشرة في مختلف أنحاء المملكة، غير أنها ظلت في إطار عدم التركيز ولم تبلغ مستوى اللامركزية، إلا بعد الإصلاحات التي عرفتها بعد استقلال المغرب.
وفي بداية عهد الاستقلال سيتراجع الاهتمام بالجهوية، إذ وجهت الدولة جهودها نحو التنظيم الجماعي والإقليمي، بغية تكريس سلطتها، إداريا وسياسيا. ولمواجهة مخلفات التقسيم الاستعماري للمجال المغربي، عمل المسؤولون على البحث عن إطار بديل للتقسيم الترابي يلائم متطلبات التنمية ويخفف من الاختلالات المجالية الصارخة، فجاء ظهير 16 يونيو 1971 كلبنة أولى لتنظيم حقيقي للجهة في المغرب، وضعها في إطار قانوني مؤسساتي، كما ترجم التوجه الجهوي الذي أصبح من صميم الاختيارات الاقتصادية للمغرب.
ولأن الرهان الاقتصادي يجب أن يتم في إطار ديمقراطي، من خلال إحداث مؤسسات ديمقراطية قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه انطلاقا من إمكانيات الجهة، وتطبيقا للثقافة السياسية الجديدة القائمة على التراضي والتوافق بين الفاعلين السياسيين، عمل المشرع المغربي على السمو بالجهة إلى رتبة المؤسسة الدستورية وأصدر القانون 47.96 المتعلق بتنظيم الجهات.
إلا أن التنظيم الجهوي في ظل القانون 47.96 أصبح بدوره متجاوزا بالنظر إلى التطورات، التي عرفها المغرب في بداية القرن الواحد والعشرين، والتي كانت تقوم على أساس المفهوم الجديد للسلطة، فكانت الجهوية موضوع عدة خطب ملكية، دعت إلى تطويرها حتى تواكب مسلسل الانتقال الديمقراطي الذي عاشه المغرب، فكان لابد من إجراء الإصلاحات الملائمة لهذه التطورات، حيث عمل عاهل البلاد على إحداث اللجنة الاستشارية للجهوية، التي أشرف شخصيا على تنصيبها، وأوكل لها مهمة إعداد تصور للجهوية خاص بالمغرب، وستعمل اللجنة على تنظيم وتنشيط النقاشات العلمية حول الجهوية، بحثا عن نموذج مغربي محض. وستتوج هذه المجهودات بمراجعة دستور المملكة سنة 2011، الذي لم يكتف بالاحتفاظ بمكتسب دسترة الجهوية، وإنما بوأها مكانة الصدارة بالنسبة إلى باقي الجماعات الترابية، ومتعها بضمانات أوسع مقارنة بالدساتير السابقة، وسيتم تأطيرها بقانون تنظيمي، بدل قانون عاد، هو القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات، الذي أصبحت بموجبه مسيرة من طرف مجالس منتخبة بالاقتراع العام المباشــــر.

من الجهوية إلى الحكم الذاتي

اعتبر الباحث أن الجهوية أصبحت أحد متطلبات بناء الصرح الديمقراطي في المغرب، باعتبارها أداة لإعطاء الجهات هامشا واسعا لتدبير الشأن العام المحلي والتخفيف من أعباء المركزية، حيث تشكل الجهة اليوم إطارا لإنعاش وتنمية وسائل وآليات جديدة للتنمية تتيح استعمالا أفضل للموارد البشرية والمادية، وبالنسبة للأقاليم الصحراوية المسترجعة أداة لتنزيل المشروع المغربي للحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية، وفي الوقت نفسه وسيلة لجعل هذه المناطق مؤهلة لتطبيق الحكم الذاتي وتحقيق أهدافه المتمثلة في ممارسة سلطات واسعة لتدبير شؤونها في إطار الوحدة الوطنية. رغم أن مفهوم الحكم الذاتي كثير التداول في اللغة القانونية والسياسية، إلا أنه قليل الوضوح على الصعيدين النظري والتطبيقي، وهو أمر يجعل من الصعب الاتفاق على تعريفه والإجماع حول طبيعة عناصره. ويترتب على ذلك غياب نموذج نظري للحكم الذاتي صالح لكل زمان ومكان، وفي ظروف مختلفة وسياقات متباينة. وفي المقابل هناك تأويلات مختلفة وقراءات متباينة للأطراف المعنية بتطبيقه، مما فتح المجال أمام الاجتهادات الشخصية والمصالح السياسية والتوجهات الإيديولوجية. وهو أمر طبيعي، لأن تطبيق الحكم الذاتي يعكس الظروف السياسية والاجتماعية المتباينة للمجتمع الذي يطبقه، على أن ينحصر دوره في تحقيق الأهداف المتوخاة منه، والمتمثلة في الحفاظ على الخصوصيات الإقليمية في ظل الوحدة الوطنية، باعتباره أساسا من أسس الديمقراطية.
حق تقرير المصير الداخلي

حق تقرير المصير مبدأ سياسي، يعني عموما حق الأمة الطبيعي في اختيار السلطة التي تخضع لها، وبمعنى آخر هو حق كل أمة في أن تقرر بحرية، وبدون تدخل أجنبي، مستقبلها السياسي والاقتصادي.
وبالنسبة إلى الوضعية في الصحراء المغربية حسب الباحث فإن القول بأن هناك شعبا صحراويا محروما من حقه في تقرير مصيره في الانفصال، قول تعوزه الدقة، فلا يوجد شعب صحراوي بالمفهوم القانوني لكلمة شعب، فما يوجد هم مغاربة يسكنون الأقاليم الصحراوية، وسكان الصحراء موجودون في الكثير من دول العالم، فلا يعقل أن نمنحهم كلهم الحق في أن يقرروا مصيرهم ويؤسسوا دولا خاصة بهم لمجرد أنهم يسكنون في الصحاري.
وعوض هذه المغامرة السياسية، اقترح المغرب منح الأقاليم الصحراوية نظام الحكم الذاتي يعترف لهم فيه بخصوصياتهم، ويمنحهم الحق في أن تكون لهم حكومة وبرلمان وقضاء خاص بهم، مما يمكن معه اعتباره تطبيقا لحق تقرير المصير الداخلي. حيث يتبين أن المشروع المغربي للحكم الذاتي يتوافق مع المعايير الدولية ويتفوق على بعض التجارب الأجنبية، مما جعله يلقى قبولا من قبل المجتمع الدولي.

إعداد: الصديق بوكزول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى