fbpx
افتتاحية

إذا لم تستحي..

منذ تشكيل الحكومة الثانية للعدالة والتنمية، في 5 أبريل 2017، اعتبرنا أن أكبر خطأ فرضه منطق التحالفات والإرضاءات والتوازنات الحزبية الداخلية، تعيين وزير على رأس قطاع إستراتيجي وحيوي، دون “كاريزما” أو بصمة مميزة، ويعتبر، اليوم، أضعف وزير على الإطلاق في تاريخ المغرب تسلم حقيبة الصحة العمومية.
نحن نقترب من إنهاء ثلاث سنوات، ولم يقدم أنس الدكالي للمغاربة غير تشكيلة متنوعة من البذلات وربطات عنق ذات ألوان مختلفة وابتسامة عريضة ودم بارد، في قطاع ساخن يتطلب كثيرا من الجهد والعرق والجري و”تقطاع الصباط” لتدارك الخصاص الفظيع وإيجاد حلول واقعية لإشكاليات بنيوية معقدة، مرتبطة بوضعية المستشفيات وتوزيعها الترابي، والنقص الحاد في الأدوية والموارد البشرية، ومعضلة أنظمة التغطية الصحية والمواعد والتجهيزات والمعدات وحالة المستعجلات التي تعافها الكلاب.
فمنذ البداية، يعرف هذا القادم من قطاع التشغيل والكفاءات أنه يتسلم حقيبة اجتماعية ملتهبة لها ارتباط مباشر بصحة المواطنين وأنينهم وآلامهم وأمراضهم، وكان مفروضا، قبل القيام بهذه المغامرة، أن يقدم للمغاربة أولا، ولمسؤوليه في الحكومة والدولة ثانيا، رؤية مقنعة، مالية ولوجستيكية وإدارية وتقنية، لتجاوز المعضلات المختلفة، لا أن ينتظر مرور سنة ونصف سنة، لاستنساخ رؤى سابقيه مع إدخال بعض “الروتوشات” الصغيرة، التي لم تقنع أحدا.
وحتى من أعلى مستويات القرار السياسي بالمغرب، ظلت طريقة تدبير القطاع محط توجس كبير، بعد أن نبه بلاغ سابق للديوان الملكي (عقب استقبال رئيس الحكومة ووزير الصحة من قبل الملك في نونبر 2018)، إلى استمرار معاناة المواطنين مع نظام “راميد”، ثم “أوجه القصور التي تشوب المنظومة الوطنية الحالية للصحة، سيما على مستوى اختلال عرض العلاجات على المستوى الترابي، ثم الخدمات المقدمة والتأطير الطبي وشبه الطبي”.
ورغم التنبيهات الملكية التي كانت دائما تطالب بسريع بلورة رؤية ناجعة لإصلاح يستشعر المواطنون أثره ومفعوله في المستشفيات والمراكز الصحية، مازال الوزير يدور في الحلقة المفرغة نفسها من سوء التدبير والحكامة، بعد أن استسلم إلى “لوبي” الصفقات العمومية ومراكز القوى المتحكمة في القطاع، و”المركب المصالحي” الذي حول الوزارة إلى بقرة حلوب.
ويعدم الوزير أي حجة للدفاع عن نفسه، خصوصا في الجانب المتعلق بالاعتمادات المالية المخصصة للقطاع التي عرفت تطورا ملحوظا وصل في 2019 إلى 16.3 مليار درهم، بزيادة مهمة عن السنة الماضية، وهي اعتمادات لم يكن يحظى بها الوزراء السابقون.
وإذا علم المغاربة أن الوزير لم يتمكن من صرف سوى 13 في المائة (إلى حد الآن)، من هذه الميزانية، سنعرف أي نوع من الوزراء هو، وأي حكامة يعتمد في تدبير قطاع اجتماعي يحتاج إلى دعم مالي إضافي، لا أن نُسقط باقي الاعتمادات المرصودة في “الماص”، أو ما يسمى بترحيل النفقات التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ، إلى الميزانية العامة، ما يؤشر على ضعف بنيوي في التدبير.
وقديما قال العرب: “إذا لم تستحي.. فافعل ما شئت”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق