fbpx
حوادثمقالات الرأي

الطاهــر: القاضي “أقل دراية” بعناصر تحديد الأتعاب

القضاء يميل غالبا لجانب الزبون لأنه يعتبره الحلقة الضعيفة

بقلم: ذ. جلال الطاهــر *

إن من مبادئ مهنة المحاماة، أن الأتعاب تتم بالتراضي بين المحامي وموكله، في القضايا التي يكلف بها، مدنية أو جنائية، وسواء كان الموكل دائناً أو مديناً، متهماً أو مطالباً بالحقوق المدنية…

مبدأ التراضي في تحديد الأتعاب، كسائر المبادئ، لا بد أن ترد عليه استثناءات، والاستثناء في مبدأ الأتعاب، هو أن يقع خلاف بين الطرفين حول مبلغ الأتعاب، وفي هذه الحالة يسند القانون مهمة تحديد الأتعاب، إلى نقيب الهيأة المسجل بها المحامي، حيث يعرض الطرفان القضية الخلافية، ويبرر المحامي مشروعية مبلغ الأتعاب الذي يطلبه، وقد يجيب موكله، بما يخالف العناصر التي بني عليها المحامي مبلغ أتعابه.
وفي الختام، يبت النقيب بالقرار الذي يفصل بين الطرفين، إلا أن الأمر قد لا يتوقف في هذه المرحلة فقط، بل قد يرى أحد الطرفين، أن قرار النقيب لم ينصفه، وغالباً ما يكون الطعن من قبل الزبون، عندما يعتبر أن محاميه قد بالغ في ما يطلب من أتعاب، فيصبح مستعداً للذهاب بالقضية إلى أبعد مدى، وهو القضاء.
وإن مرحلة القضاء بالنسبة إلى أتعاب المحامي، تعتبر مرحلة حاسمة، حيث لا مرجع غير القضاء، لوضع حد للخلاف الذي قد ينشأ في موضوع الأتعاب بين المحامي وزبونه، وهذه المرحلة لها خصوصية لا يمكن إغفالها، وهي الباعث على كتابة هذه الكلمة.
ذلك أن القرار القضائي – غالباً – ما يراجع قرار النقيب بتخفيض مبلغ الأتعاب المقدر من قبل النقيب.
وهذه المراجعة السلبية، لقرار النقيب، هي التي تدعو إلى المناقشة، حيث إن الراجح، هو أن القضاء يميل – غالباً – لجانب الزبون، لأنه يعتبره الحلقة الضعيفة التي تستوجب الرعاية، وهو اعتبار لا يجب أخذه على إطلاقه ، لما له من مضاعفات على حقوق المحامي.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن القاضي مهما كانت درجة حرصه على تحقيق العدل في تقدير الأتعاب، بالنظر إلى ملف القضية، والجهد المبذول فيها، والمدة الزمنية التي استغرقتها المسطرة، ومكانة المحامي، الاعتبارية، وأقدميته وسمعته، فرغم أهمية هذه الجوانب التي قد تكون من أسباب توكيله، فإن هناك عناصر أساسية أخرى، لا يمكن للقاضي الذي ينظر في قضية الأتعاب، أن يدركها، لأنها غير موجودة ، بين دفتي ملف القضية، ولا يدركها إلا من كابد همومها وتوجساتها ومعاناتها، وهذه الحالة الوجدانية، والنفسية، لا يمكن أن يدركها القاضي، لأنها مسألة نفسية يعيشها المحامي، خلال كل مراحل القضية، تلازمه وتقض مضجعه، حيث يؤدي به الأمر أحياناً، إلى أن يستيقظ ليلا من النوم، بسبب خاطرة قانونية مرت بذهنه، أو دفع حاسم في قضية، لم يثره في حينه، أو أجل طعن، خيل إليه أنه قد فاته، في قضية من القضايا التي يترافع فيها هذه من ناحية المعاناة النفسية، وهناك ناحية أخرى، وهي حمل هموم الموكل، الواعي أو غير الواعي، والزيارات أو الاتصالات الهاتفية، في كل الأوقات في الليل والنهار والعطل … وطرح الأسئلة والهواجس، التي تنتابه خلال كل مراحل المسطرة، وعلى المحامي، أن يتحمل كل هذا العبء، بأعصاب فولاذية، وبدم مثلج، لمواجهة كل هذه الهموم، هذا بالإضافة، إلى ضرورة استعداد المحامي، لتبرير التأخيرات المتوالية، التي قد تدعوها طبيعة بعض المساطر، من نوع (( أن قضية أخرت لاستدعاء متهم في حادثة سير مميتة، فما كان من والد الضحية إلا أن احتج على المحامي بقوله (( لماذا استدعاء المتهم أليس هو القاتل ؟ !)).
هذا بالإضافة إلى أخطار الطريق، عندما يدعوه العمل، إلى الانتقال في طول البلاد وعرضها، فكم محام قضى في حادثة سير، خلال انتقاله لمتابعة قضية ما.
هذه بعض المعطيات والجوانب من المتاعب والأعباء، التي يواجهها المحامي يومياً في عمله، والتي يجب استحضارها عند معالجة، قضية الخلاف حول الأتعاب، والتي لا يدرك كنهها وثقلها إلا نقيب المحامين، بما يفترض فيه من دراية واسعة وعميقة وشاملة، بطبيعة عمل المحامي، بما له من تجربة، وخبرة والتزام، باستحضار مبادئ العدل والإنصاف، في كل قضية أتعاب تعرض عليه، والمأمول من السادة القضاة، أن يراعوا هذه الجوانب الخفية، مما يعانيه المحامي، من جلد وصبر، في تقاسم الهموم الموضوعية والذاتية مع الموكل، وبذلك يتم التكامل بين النقيب والقاضي، في وضع الأمور في نصابها، وإنصاف طرفي معادلة الأتعاب ( المحامي والموكل )، وحتى يجعل حدا، لإساءة أولئك الذين يطيب لهم، كلما تحدثوا عن المحامي، أن يتندروا بجشعه وضراوته !.
* محام بهيأة البيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى