مقالات الرأي

فوزي لحسن: في حضرة التيه أكتب

في فضاء التيه رسمت أحلامي على مساحة رمال الهوى . فهبت رياح شكوك تمسح كل أثر وجعلت ثواني السعادة في رسمِها ، بقايا ذكرى على قلب يحتضر . تبا للتعاسة يا قدرا على أجنحته تُحمل سهام تقتل في دواخلي كل شيء في صمت وتعمي حتى النظر . أيتها البيضاء ما عدت قادرا على رسمك بأصابعي تبتسمين على مرآتي ، كلما هممت بتنظيم فوضى زغيبات تقف على رأسي في مشهد يذكرني بشحوب وجوه الموتى ، وما عدت قادرا على الغوص في تفاصيلك وجو لقاك في الكلمات يمصمص نخاع قلبي بردا . اليوم أنا هنا جسد بلا روح تلتحفني البرودة من كل الجوانب ، ويقتلني الإهمال على قارعة حلم .
شواهد المقابر تنتصب بشموخ في بقاع الهوى ، تغري بإختيار النهاية كسلام أبدي لأرواح معلقة على سواري العوائق ، بينها وبين من تعشق مطبات ، وحواجز بشتى الألوان . أرواح تائهة في بيد الإنتظار تستجدي رشفة ماء من نبع الحنان . تتفيأ الأحلام وتبتهل الغفران ، و عند الغسق تلتحف السماء كأمل وتستمد من النجوم قبسا به تنشر الدفء في ربووع كيانها . أرواح تنتظر شروق شمس الحقيقة لتستيقظ على لحن الإنتظار من جديد . حياة العشاق بصيص أمل والبقية ثلاث نقاط للحذف .
التيه ذاك النسيم الذي يحملنا لثغور الجنون بزوارق حلم تأتي عند الغسق ترقب أمانينا . على حواف التعقل تطوف بأشواقنا لتطمئن على سكينة قلوبنا بعد هدوء إنقباضات ألم البعد فيها . وحيدون نحن معشر العشاق نتقن الشكوى أكثر مما نتقن الحب . نكتب أنفسنا في صفحات هي تجسيد لنزيف الروح في القلم ، ففي أرواحنا شقوق لا ترتقها مخايط العالم مهما كانت طبيعتها . نتقن البكاء في حروفنا ، وننسى أن الدمع حمض يتآكل معه ما فينا .
بعدما إعترفنا بحبنا ، وهي تضرب كتفي ، تراجعت خطوة للوراء .
و قالت :
أوتعرف أنني أموت فيك ؟
قلت : كيف للموت يحضر فيّ وأنا الحي ؟
قالت : يوم نظرت في مقلتيك عرفت أن نهايتي قد حلت .
قلت : أوتعرفين ، أنني غرقت فيك ذات بسمة وأنت جالسة أمامي تنصتين لكلامي ؟
قالت : حينها لمست أن في نظرتك كلام ، غير ما تقول .
قلت : إن عينا لا تقوم مقام اللسان في التعبير عن جنونا لا تستحق أن تستمتع بألوان الحياة .
قالت : ماعادت لي حياة خارج هواك ، فأنا فردية ميتة .
قلت : لا تموت الفردية إلا في إتحاد العشاق ، أتفق معك أننا ميتان في بعضنا .
عودة لعناق الحنان بطعم نسيان الكينونة الفردية ، منذ تلك اللحظة ، ونحن لا نعيش إلا في بعضنا البعض .
شعاع وبصيص أمل ، في عين أنثى بقد ممشوق تعانق مصيرها في شجرة صبار جف جوفها وعلى هامتها تقف أشواك تقتلها في كل لحظة مرات . مسكينة تعانق الألم فيها وتمني نفسها بتساقط الشوك من على ربوعها . دموع تسيح وصقيع يقتل في دواخلها كل ذرة أنوثة . تعيسة من عشقت الصبار وسط بيد الجفاء تبرعت بقلبها لمن لا يستحق
متأبطة إنتظاري تنزل من حافلتها .
ترقب حضوري .
تلتفت يمنة ويسرة باحثة عني بين زحام الحضور .
فجأة تلتقي أعيننا .
مد بشري يفصل بيننا .
على شفتيها قرأت إسمي في ضجيج الفوضى .
حقيبة على ظهرها ويد تدفع بها الحضور سعيا نحوي .
أمد يدي لألتقط أطراف أصابعها وأنقذها من دوامة الفوضى .
تيار الشوق يسري في بقايا أرواحنا .
صرخة اللقاء آخذتني لعوالم التيه
عناق وحضن الدفء .
ونظرات الشتيمة تلفنا .
وسط القطيع صرخنا في حضن بعضنا البعض فرحا باللقاء .
فلا ملامة للعشاق في حضور أرواحهم بعد طول الغياب .
سفر من جديد . بعد قاتل يعيد سمفونية الغياب كديدن إعتادته الروح منذ الأزل .
آه لو كان بالإمكان دفن الغيرة بشكل كلي ، بعيدا عن ذاكرتنا ، كأنها لم تكن يوما لنا ، وأن نقوم بواجب الزيارة والترحم عليها كل جمعة ، كأنها قريب فقدناه ولن يعود ، فنتوقف بذلك عن إيذاء من نحب لحظة جنون ….
هناك على بعد مسافات تجلس في قلبي بألم ، وتحرك مشاعري في غيابها كأنها معي ، هنا في البعد أموت في إنتظار لحظة لقاء تروي الظمأ الذي يفتت كبدي شوقا لها . هناك في البعد نتخاصم عبر رسائل عتاب ، وفي الحضور تكفي نظرة في عينيها لننسى كل النكد .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق