fbpx
ملف عـــــــدالة

دليل للسجين المفرج عنه للحد من حالات العود

المندوبية العامة تسعى إلى مواكبة المفرج عنهم نفسيا واجتماعيا لتفادي عودتهم

يرى البعض أن ما تشهده السجون من اختلالات، يعتبر عاملا رئيسيا وحاسما ومشجعا في تنامي حالات العود إلى السجون، مستدلين على تمكن البعض من مراكمة ثروات خيالية من عائدات ترويج الممنوعات داخل السجون، بشكل يستحيل معه تحقيق جزء بسيط منها خارجها. هذا الطرح تؤكده امرأة تعليم، بقولها «ما أعرفه عن السجون هو قلة التربية والتأديب، ففي الوقت الذي ينبغي أن يتذوق الآثمون نصيبهم من العقاب، نجدهم يدخلون السجن لينغمسوا في شتى الممارسات غير القانونية والأخلاقية، فنسمع عنهم يتاجرون في المخدرات، ويبيعون السيلسيون، ويتحرشون بالقاصرين، وأحيانا يرتكبون جرائم مختلفة قد تصل حد القتل، ليكتب على السجين المتورط قضاء ما تبقى من عمره وراء غياهب السجون».
ويؤكد المتحدثون أنه في الوقت الذي يفترض أن يكون السجن مركزا لإعادة التأديب والعقاب للمساعدة على إدماج السجين في المجتمع من جديد، تعتبر بعض المؤسسات السجنية بؤرا سوداء للاتجار في المخدرات وغيرها، الأمر الذي يجعل فئة من السجناء تعيش في زنازين مصنفة، أصبحت تسمى «زنازين خمس نجوم»، لتوفرها على كل شيء، كما تساعدهم الحرية المطلقة على تحقيق دخل مالي مهم، لذلك فإن أغلب المنحرفين يفضلون «المكوث» داخل السجون، ما دامت تشكل مصدر دخل لهم أفضل من الخارج، بعيدا عن أنظار المخبرين ومطاردات رجال الأمن.
وتؤكد موظفة بإحدى المحاكم أنها عاينت حالات كثيرة لمتهمين بارتكاب اغتصابات وسرقات وجرائم قتل واتجار في المخدرات، عادوا سريعا إلى السجن، والغريب أنهم كانوا يتباهون بكثرة العقوبات التي قضوها وراء غياهب السجون، وليس العكس. ويكشف هذا أن ظاهرة العود تكون بمحض رضى ذوي السوابق، الذين يضيق العالم الخارجي بهم، فيفضلون الرجوع سريعا إلى زنازينهم، لأنها تكون الأفضل بالنسبة إليهم.
ولتعميق النقاش في هذا الموضوع من جميع زواياه، في إطار الاستماع إلى كافة الأطراف المعنية، حرصت «الصباح» على عدم إقصاء الحلقة الرئيسية في هذه الإشكالية، ألا وهم السجناء الذين سبق لهم العود لمرتين على الأقل. وفي هذا الصدد، يقول أحد «العائدين» إلى السجن، أخيرا، إن المشكلة ترجع إلى «قسوة المؤسسات والمجتمع، إذ ينظر الكثيرون إلى السجناء سابقا بكل احتقار وازدراء، والجميع يشتبه فيهم لأول وهلة، وترتسم على ملامحهم تعابير الخوف والانزعاج، وهذا أكبر عامل مساهم في ارتفاع حالات العود إلى السجون».
وأضاف السجين السابق، في تصريحه ل»الصباح»، أن نظرات المجتمع، ونميمته، لا يرحمان، فالكل، في رأيه، ينظر تلك النظرة المهينة إلى كل شخص يعلم أنه تعرض للسجن في السابق، ولا يهمهم ما إذا كان حصل على العفو في نهاية الأمر، وحتى إذا أدين وتحسنت سيرته بعد الإفراج عنه، وصار مرشحا ليكون مواطنا صالحا، معتبرا أن هذا الموقف السلبي من المجتمع «يدفع الكثير من السجناء السابقين إلى الارتماء من جديد في مستنقع الجريمة والانحراف، لأن الجميع يشعرهم بأنهم أصبحوا ثقلاء».
أما علماء النفس، فيرون أن اضطرابات شخصية تجعل بعض المنحرفين ينتجون السلوكيات والأفعال نفسها التي قادتهم إلى السجون في فترات سابقة من حياتهم، خصوصا إذا كانوا في وضعيات صعبة، ويتولد لديهم نوع من النوبات النفسية التي تجعلهم يعودون إلى ارتكاب الأفعال الإجرامية نفسها. كما أن الشخص الذي يقضي عقوبة أو أكثر من أجل جنحة أو جريمة معينة، لا يتردد في العودة إلى ارتكابها، كلما خطرت بباله، رغم معاقبته من أجلها.
من جهتهم، يعي مسؤولو المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج حجم هذه الظاهرة، ولا يترددون، في مناسبات عديدة، عن التعبير عن قلقهم إزاءها، ولا يخفون أنهم دائمو البحث والتنقيب عن علاج فعال لتنامي حالات العود إلى السجون، في إطار المحاولات الرامية إلى نجاحهم في المهمة الملقاة على عاتقهم من طرف صاحب الجلالة.
ولتحقيق الأهداف المرجوة، عمم المندوب العام، حفيظ بنهاشم، دورية حول دليل السجين المفرج عنه على مديري المؤسسات السجنية، وطالب المسؤولين المحليين بإبداء اقتراحاتهم وآرائهم بخصوص ما يرونه مناسبا ومفيدا للسجناء، من خلال تجربتهم أثناء الممارسة الفعلية بالسجون. ويهدف الدليل، حسب المسؤولين، إلى التعرف على شخصية السجين المفرج عنه، ومواكبته نفسيا واجتماعيا لمنعه من العودة إلى السجن مستقبلا.
أما مصطفى حلمي، المدير المسؤول عن أمن وحماية السجناء، فأكد قبل أسابيع في مداخلة له بالمعهد العالي للقضاء، أن المهمة الأساسية التي يقومون بها حاليا هي إعادة إدماج السجين في النسيج الاجتماعي من جديد، ومنعه من حالة العود، معتبرا أنه لو تم إعطاء الاهتمام الواجب للسجين، كمواطن صالح، لتم منعه من حالة العود. وكشف حلمي وجود 80 ألف نزيل في سجون المملكة، بينهم 63 ألف سجين قار.
وأشار المسؤول نفسه إلى أن المساحة الإجمالية للإيواء تطورت، ما بين 2006 و2010، بنسبة 16.4 في المائة، لافتا الانتباه إلى حقيقة خطيرة مفادها أن بناء سجون جديدة لم يعد كافيا، لأن الحل الوحيد للتقليص من حالات العود هو تطوير العمل. وفي سياق ذي صلة، كشف المدير المكلف بأمن وحماية السجناء أن 80 في المائة من نزلاء السجون أميون، أو لديهم مستوى تعليمي بسيط، أما نصف «سكان السجون»، فلا يتجاوز عمرهم 30 سنة. وقال حلمي إن 66 في المائة من السجناء عازبون، و90 في المائة عاطلون أو يحترفون مهنا بسيطة، ما يفسر أسباب الاعتقال والعود السريع.
ومن خلال كل ما سبق، يتضح أن بعض المنحرفين لا يأخذون العبرة من العقوبة الحبسية التي يكونون حكموا بها، ويدمنون ارتكاب الجرائم ليحققوا أرقاما قياسية في حالات العود، الأمر الذي يستدعي البحث في هذه الاختلالات على المستويات الاقتصادية والنفسية والاجتماعية، لإيجاد حلول ناجعة لوضع حد لحالات العود المتنامية في صفوف فئة معينة من سجناء الحق العام.

محمد البودالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى