fbpx
حوادث

استئنافية البيضاء … ملفات لا تنقضي

الطلفي من بين القضاة الذين لا يكلون ولا يملون في سبيل إحقاق الحق والعدالة

إنجاز : محمد بها

الساعة تشير إلى الثالثة عصرا من الأربعاء الماضي، بالقاعة 8 بمحكمة الاستئناف بالبيضاء. بعد أن وضع عون المحكمة ملفات التقاضي، بدأ المتقاضون وعائلاتهم بالتوافد على القاعة، منهم من جاء لمتابعة جلسة محاكمة ابنه أو قريب له، ومنهم من يسعى فقط للاستئناس بقصص جرائم وملفات اعتاد مشاهدتها في الأفلام التلفزيونية والسينمائية.

بعد لحظات ترقب، كسر هدوء القاعة رئيس الجلسة الذي أعلن افتتاحها باسم جلالة الملك، معلنا عن بدء النظر في الملفات المعروضة أمامه رفقة هيأة المحكمة للبت فيها.
بالقاعة 8 اختار لحسن الطلفي رئيس الجلسة الإعلان عن رقم الملف المعروض أمامه، مناديا في الوقت نفسه على أسماء المتهمين الذين يوجدون في حالة اعتقال وكذا أسماء هيأة الدفاع التي تنوب عنهم وعن المطالبين بالحق المدني.

“قاضي وقاد”

لا مكان للعياء والشرود عند القاضي لحسن الطلفي، فرغم تجاوزه سن التقاعد ورغم كثرة الملفات المعروضة أمامه، إلا أنه يسير جلسات الملفات التي ينظر فيها بحكمة واحتراف، قل نظيرهما في استئنافية البيضاء.

وفي الوقت الذي يبلغ التعب مبلغه في نفوس المتقاضين ودفاعهم والمتتبعين نظرا لطول مدة الجلسة المنعقدة، فإن القاضي الطلفي يزداد حماسا مواصلا استماعه للمحامين، وذلك بحثا عن خيط رفيع يقوده لفك شفرة اللغز والوصول إلى الحقيقة التي من شأنها إحقاق العدالة.

ولا يلتفت القاضي الحكيم إلى الوقت، بقدر ما يهمه سبر أغوار الملف الذي بين يديه، ولا يرفع الجلسة إلا بعد أن تترسخ قناعته بشأن الحقيقة التي يبحث عنها.
واضطر القاضي الطلفي مساء الأربعاء الماضي، إلى رفع الجلسة وتأجيل ملف السطو على عقارات المغاربة والأجانب التي يحاكم فيها مدير مصحة خاصة ومحافظ إلى 6 مارس الجاري، في حين اختار مواصلة البحث عن الحقيقة في الملفات المعروضة أمامه والتي تتعلق بجرائم الحق العام.

طرائف الجلسات 

رغم مشاهد الرهبة والهيبة التي تنضاف إلى صمت القاعة، إلا أن بعض الطرائف تأبى إلا أن تحضر بجلسة محاكمة المعتقلين في قضية السطو على 33 عقارا لمغاربة وأجانب والمتورط فيها طبيب ومالك مصحة خاصة وثلاثة أشخاص آخرين، وهم المعتقلون المدانون ب 33 سنة في المرحلة الابتدائية، إذ قامت بعض النساء بتحية ذويها من المعتقلين وسط القفص الزجاجي الذي رغم أنه لم يكن شفافا إلا أن أحد المتهمين كان يطل من مكان غير مصبوغ، بينما عائلته كانت تقوم بالتظاهر بالالتفات يمنة ويسرة للتمويه على القاضي المعروف بهيبته، وسط جلسات المحاكمات التي يشرف عليها.
وإضافة إلى ممارسات النساء اللواتي خفن غضب القاضي الذي لا يقبل التشويش على سير جلسة المحاكمة، ظهر شاب وهو يتناول طعامه في مقعده وتارة يقوم بحركات غريبة لفتت انتباه رئيس الجلسة، الذي فطن إلى أنها ممارسات عادية لشخص تظهر عليه أعراض خلل عقلي.

تنظيم محكم

يكفي زائر محكمة الاستئناف بالبيضاء التنقل بين فضاءاتها حتى يقف بنفسه على التنظيم المحكم الذي يطبع سير جلساتها، وكذا الهدوء الذي يطبع أروقتها، إذ يحرص الموظفون والعاملون على تقديم شروحات ومساعدات لكل مرتفق مرتبك أو يسأل عن توقيت انطلاق جلسة ما، وهو ما يؤكد أن المحكمة تحرص على التطبيق السليم للخدمة الإدارية وجودتها.

ملفات متواصلة

بعد ساعات على مرافعة دفاع المطالبين بالحق المدني والنقاش الدائر بين هيأة دفاع الأطراف المتقاضية ورفع جلسة المحاكمة وتأجيلها إلى سادس مارس الجاري، واصل لحسن الطلفي النظر في قضايا أخرى، باعتبار أن هناك ملفات لا تنقضي تستوجب النظر.

جلسات أخرى

انتقل طاقم “الصباح” إلى قاعات أخرى بمحكمة الاستئناف بالبيضاء، وهو ما كشف قضاء الهيأة القضائية والمحامين، ساعات طويلة بمرفق العدالة، بدءا من عرض ملف المتهمين ومثولهم أمام القاضي للاستماع إليهم، حتى موعد تأجيل الملف إلى جلسة لاحقة، بسبب غياب طرف ما أو منحهم فرصة توكيل محام للدفاع عنهم، وهو ما جعل رئيس الجلسة وممثل النيابة العامة وكاتب الضبط يواجهون التعب البادي عليهم بسبب كثرة الملفات وطول مدة مرافعات المحامين، برفع الجلسة للاستراحة دقائق، قبل استئناف أطوارها لفك ألغاز قضايا وسبر أغوارها، قبل النطق بالحكم وإسدال الستار على فصول ملفات لا تنتهي، أمام قضاة قدرهم البحث عن الحقائق وتطبيق العدالة بين المتقاضين.

هم واحد

جرائم القتل أو الاعتداء بالضرب والجرح والاغتصاب وتكوين عصابات السرقة وترويج المخدرات والابتزاز والسطو على عقارات الغير، كلها أسباب جاءت بنساء ورجال كبار في السن، إذ تزاحموا في الكراسي المخصصة لمتابعة أطوار جلسات مثول المتهمين ومرافعات دفاعهم، في انتظار الحسم في ملفاتهم المعروضة على المحكمة.

“البق ما يزهق”

تتميز جلسات المحاكمة التي يشرف عليها القاضي لحسن الطلفي بالصمت المطبق للحضور الذي تغص به القاعة 8، فالقاضي الحكيم استطاع بقوة شخصيته وهيبته فرض احترام قانون متابعة ما يدور في جلسة المحكمة، إذ تحرص النساء والرجال على تتبع كل صغيرة وكبيرة في القاعة، حتى لا تنفلت منهم أي معلومة تخص ملف قريب لهم أو فلذة كبدهم. ومن خلال تتبع طاقم “الصباح” لفصول المحاكمات التي جرت أطوارها بالقاعة 8، تبين أن الصمت المطبق واحترام قانون الجلسة، ممارستان تلتزم بهما عائلات وأصدقاء المتقاضين وكذا المتتبعون، خشية أن يطولهم غضب القاضي الذي يعتبر جلسات المحاكمة مقدسة، ولا يمكن تقبل التشويش على أجوائها، الأمر الذي يجعل الجلسات التي يشرف عليها القاضي الطلفي تتميز بعنوان “البق ما يزهق”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى