fbpx
مجتمع

عمـال الأسـواق … العـذاب

يحملون الأثقال ويجبرون على العمل ساعات طويلة

يكفي وزارة الشغل والحكومة “الموقرة” والجمعيات التي تطالب ليل نهار بتطبيق المناصفة وغيرها من الحقوق السياسية، القيام بجولة خاطفة في أي منطقة شاءت بالعاصمة الاقتصادية والتركيز على المحلات التجارية والمطاعم والشوارع، لاكتشاف عالم «الحوفارة» الذي يدمي القلوب وكل من يؤمن بحقوق وكرامة الحيوان قبل الإنسان.

كلمة «الحوفارة» رغم قدحيتها، إلا أنها تعبير عن واقع بئيس لعمال يتقاضون أجورا أقل من المحددة في قانون الشغل أو بساعات الدوام أيضا.

في كل مكان

بدرب عمر ووسط المدينة والحي الحسني وعين الشق ودرب السلطان وعين الذئاب وغيرها من المناطق التابعة للعاصمة الاقتصادية، يوجد عمال لا تنطبق عليهم شروط وظروف العمل القانونية، فالمشتغلون في المحلات التجارية والمطاعم، تستباح حقوقهم فحياتهم ملك لمشغليهم يفعلون بها ما يشاؤون.

وفتح عدد من العمال والمستخدمين في المحلات التجارية، قلوبهم لتسليط الضوء على واقعهم الذي يعود إلى سنوات العبودية، معتبرين أنفسهم “عبيدا في زمن القرن 21”.

يقول علي (اسم مستعار) 19 سنة، عامل بمحل يزاوج بين بيع المواد الغذائية و”مقشدة”، وهو يحكي عن ظروف دخوله مهنة ليست كباقي المهن، وما يقاسيه من عذاب نفسي وجسدي أثناء وبعد أداء مهامه اليومية إرضاء للزبناء وتنفيذا لأوامر مشغله “الباطرون”، “شكون قاليك حنا عمال؟ حنا غير عبيد في زمن القرن 21، قبلت نكون حوفار على قبل والدي اللي محتاجيني نعاونهم”.

غير مُعترف بنا

“المجتمع ما كيهمنيش حيت أصلا ما معترفش بينا، واخا كيقولو علي حوفار ولكن راجل ومسؤول” جملة يقولها الشاب علي، وهو يغالب دموعه في لحظة تمتزج بين الانهيار وعزة النفس، لكنها تلخص الكثير من الدوافع النفسية والضغوط التي تعيشها واحدة من أكثر الشرائح إثارة للجدل في المغرب، عمال المحلات التجارية الذين تحولوا من موظفين إلى عبيد «طرف الخبز».

علي القادم من إحدى المناطق النائية بإمينتانوت، قرر الهجرة إلى البيضاء، بحثا عن عمل يساعده على توفير قوته اليومي وجمع بعض المال لإرساله إلى عائلته لحاجتها الماسة لمساعدته تحت أي ظرف كان، فالأهم بالنسبة إلى الشاب الذي يظهر على تقاسيمه التعب من شدة ما يقاسيه من ظروف مزرية في العمل أهمها حمل الأثقال وعدم احترام ساعات العمل ونهره دون اعتبار لتضحياته التي يقدمها يوميا لفائدة مشغله الذي لا يهمه سوى جمع المال ولو على حساب صحة وكرامة أجيره.

أمام الفقر المدقع الذي سيطر على الحياة اليومية لعائلة علي بعد مرض والده، لم يجد بدا من المغامرة بمستقبله الدراسي ومغادرة المدرسة في مرحلة الإعدادي من أجل إعالة شخصين كانا سببا في خروجه إلى الدنيا وإخوته الصغار الذين لا ذنب لهم سوى أنهم ازدادوا في وسط فقير ومنطقة مازالت تنتمي إلى المغرب غير النافع.

ومن الأمور التي تستدعي تحرك الدولة لإنصاف الفئة التي يطلق عليها «الحوفارة»، استغلال القاصرين وشباب في عمر الزهور في نظام عمل يتسم بالعبودية، من خلال العمل ساعات تتجاوز 14 ساعة يوميا وأجور بعضهم بالكاد تصل إلى الحد الأدنى للأجور 350 درهما أسبوعيا، بل هناك من يتقاضى فقط 800 درهم في مجموعة من المحلات التجارية التي يغري أو «ينصب» أصحابها على عمالهم بالقول «راك واكل وشارب وناعس فابور» وأن الأجرة الشهرية رغم هزالتها إلا أنه عند توفيرها مجتمعة في نهاية ثمانية أشهر أو عند الاقتضاء ستكون مبلغا محترما، وهو ما يقبله العامل في غياب بدائل أخرى.

“غير كنعديو”

وحول أجرته الشهرية، يضحك علي بطريقة يخفي فيها رغبته في البكاء، قبل أن يكشف قائلا «عن أي أجرة تتحدث الله إهديك؟ راه غير كنعديو. واش 750 درهم للشهر كافية فهاد الوقت؟ لكن ظروفي تجعلني أقبلها خصوصا أن مشغلي يتكرم بوعود أهمها غادي نزيدك غير صبر، معايا ما غاتشوف غير الخير…».

ويكشف علي في حديثه عن فضيحة خرق القانون، بالقول إنه يعمل طيلة اليوم إذ لا يرد قاموس ساعات العمل المحددة لدى عقلية مشغله، فصاحب المحل الذي يزاوج بين «المقشدة وبيع المواد الغذائية» يلزم عماله بالعمل لساعات طويلة، من الساعة 7 صباحا إلى الواحدة بعد منتصف الليل وأجر هزيل وفوق هذا وذاك القيام بأشغال متعددة من بينها التنظيف والطهو والبيع وإيصال طلبيات الزبناء رغم كثرتها وثقلها».

ومن الفضائح التي يختم بها علي قصته المأساوية في عالم «الحوفارة» أنه لا يستفيد كأغلبية العاملين في القطاع الخاص من صندوق الضمان الاجتماعي ولا من أي شكل من أشكال التأمينات الصحية، لأنه بتعبير الدارجة «مادايرينش ليه الوراق وما معتارفينش بيه حيت كيبقى غير حوفار».

وتساءل الشاب علي عن الجدوى من الخطابات الرنانة التي تتحف بها الحكومة والنقابات المواطنين في ما يتعلق بنظام الأجير وحق العمال والشعارات التي تدعي الدفاع عن حقوقهم، ملتمسا من المسؤولين والمؤسسات المعنية بتطبيق قانون الشغل وحقوق الإنسان إلى تخصيص وقتهم للقيام بزيارات ميدانية وتفتيش مفاجئ للوقوف على الوضع الكارثي الذي يتخبط فيه ميدان المحلات التجارية والمطاعم.

محمد بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى