fbpx
افتتاحية

لن نسلمكم الوطن

خرج مصطفى الرميد عن السطر، مرة أخرى، وتجاوز حدود اللياقة و”الإتيكيت” السياسي، وأظهر، في لحظة “نزق”، أن الطبع أقوى من التطبع، ومن شب على شيء لن يموت إلا وهو عليه، مهما تغيرت السياقات والظروف.
فما وقع، منتصف الأسبوع الجاري، لا يبشر بخير، ويضعنا جميعا أمام احتمالات الخطر، كما يدخلنا دوامة الشك في “نزاهة” السلطة القضائية واستقلاليتها، بعد أن وضعها مسؤول حكومي مكلف بحقوق الإنسان، ووزير سابق في العدل والحريات، على المحك، وخيرها بين الدفاع عن نفسها، بكل الوسائل القانونية والقضائية الممكنة والمتاحة، أو الركون إلى العبث.
ففي هذه المعركة الحاسمة، اختار الرميد الزاوية الأقصى في التشدد لشن هجوم لاذع على هيأة دستورية (هي الأهم على الإطلاق في بناء الدولة)، وتوعد قضاتها ورجالها ونساءها بأوخم “العقوبات”، بعد أن اعتقد أنهم تجرؤوا على زميل له في الحزب، وتآمروا عليه، وقرروا إدخاله إلى السجن لتصفية حسابات سياسية معه ومع الهيأة الحزبية التي ينتمي إليها، على خلفية قضية قديمة صدر فيها حكم نهائي سابق.
فما صدر عن الوزير السابق في العدل والحريات يتجاوز بكثير ملفا معروضا على القضاء، وله الكلمة الأولى والأخيرة للحسم فيه، بل يرتبط بإشكالية كبيرة تتعلق بالثقة في المؤسسات، والصورة التي يحاول أن يروجها مسؤول حكومي وسط المواطنين والمستثمرين والرأي العام المحلي والدولي عن أهم ركن في الدولة، أي العدل الذي هو أساس الملك.
لذلك، لا نتوقع إلا أن يكون الرد في مستوى هذه الإرادة المعلنة (من قبل مسؤول حكومي وحزبه) لإعادة عقارب القضاء سنوات إلى الوراء، حين كانت الضغوطات ومنطق التعليمات والترهيب السياسي فصولا غير مكتوبة في القانون الجنائي، وكانت الأحكام تصدر عن هوى البعض ومزاجه، ما كلف المغرب والمغاربة عقودا من التأخر وسمعة حقوقية وقضائية سيئة، حاول معالجتها في إطار منظومة للمصالحة والحقيقة والإنصاف.
إن أقل ما يمكن أن ننتظره من القضاة والمحامين الذين أحسوا أن الرميد أهانهم وتدخل بشكل سافر وعلني في عملهم، أن يواجهوه بالعدل نفسه، وبفصول القانون الجنائي (الفصل 266) الذي يعاقب على الأفعال والأقوال والكتابات العلنية التي يقصد منها التأثير على قرارات ومقررات رجال القضاء، ويكون من شأنها المساس بسلطة القضاء واستقلاليته. أما دون ذلك، فلن يكون باستطاعة أي قاض، بعد اليوم، أن يحتج على إهانة أحكامه وتحقيرها وتسفيهها من قبل أي كان، ما دامت السلطة القضائية عجزت، في لحظة فارقة، عن حماية رجالها ونسائها ورد الاعتبار لهم.
في الشق السياسي، يبدو الأمر أسوأ بكثير، بعد أن استغنى القيادي “الكبير” في حزب يقود الحكومة عن كل شيء، ولم يتذكر سوى “عشيرته” الحزبية التي اعتقد أن أحدا يتبرص بها في الظلام، فاستل سيفه، ووقف عاري الصدر، منفوش الشعر، قائلا بصوت جهوري “والله لن نسلمكم ابننا، ولو كانت دونه سيول من الدماء”.
والمفارقة أن “أهل القبيلة” يستفيدون من خيرات المدينة وقوانينها وامتيازاتها وتعويضاتها ومناصبها، لكن سرعان ما ينقلبون و”يتنمردون” (من النمرود)، حين يستشعرون أن خطرا يقترب من حدودهم، فيهبون للذود عنها بكل الأسلحة، حتى المحرمة منها.
هذه بالضبط هي الصورة التي يحاول البعض إخفاءها بـ “روتوشات الفوطوشوب”، حتى يظهر “الإخوان” في صورة أخرى، غير ما تخفيه قلوبهم، وليس هناك أفضل من رجل اسمه الرميد يستطيع أن يلعب هذا الدور ببراعة كبيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق