حوادث

أموال مجمدة بأوامر معطلة في تجاريتي البيضاء والرباط

تناقضات في تطبيق مساطر الحجز لدى الغير ومستثمرون تائهون أمام استحالة تنفيذ الأوامر

الحجز لدى الغير من أكثر المساطر القضائية خطورة وصعوبة، لارتباطها بالاقتصاد الوطني، ولأنها أيضا يتم النظر فيها من قبل القاضي في غيبة أطراف الخصومة، إذ لا تتوفر فيها شروط المحاكمة العادلة. وإن كان المشرع أعطى للقضاء، في شخص رئيس المحكمة، اختصاص النظر في قضايا الحجز لدى الغير، فإنه اشترط شروطا واضحة، متى تم إغفالها نكون أمام مساطر فارغة وأحكام لا تقبل التنفيذ.
فالأوامر القضائية تبنى على الوثائق المرفقة بالمقال، سيما أصل السند التنفيذي، أي الحكم القابل للتنفيذ فورا والمذيل بالصيغة التنفيذية، بدليل أنه ينفذ بعد 8 أيام من فتح ملف المصادقة على الحجز لدى الغير وتسليم المبالغ إلى طالب التنفيذ، حسب فصول قانون المسطرة المدنية، سيما الفصل 492 ودورية وزير العدل المؤرخة في 12 يونيو 2006.
وزارة العدل سبق أن انتبهت إلى الاستخفاف بمساطر الحجز لدى الغير والمغالاة في تطبيقها، فأصدرت لأول مرة في عهد الراحل محمد بوزبع، دورية على شكل رسالة موجهة إلى المسؤولين بالمحاكم، سواء منها العادية أو التجارية، يحث فيها على التقيد بالشروط القانونية المحددة لاستيفاء مال المدين لدى الغير. ودورية الوزير الراحل جاءت بعد عمل لجان التفتيش في جميع المحاكم، في إطار التفتيش التسلسلي، فوقفت على العديد من التناقضات بخصوص استصدار أوامر الحجز لدى الغير التي يباشرها رؤساء المحاكم، فأنشئت إثر ذلك لجنة مختلطة شملت أعضاء من مديرية الشؤون المدنية ومن المفتشية العامة وقضاة المجلس الأعلى وغيرهم ممن بلوروا أعمالهم في دورية وجهها الراحل بوزبع إلى المسؤولين القضائيين بمحاكم المملكة للعمل على ضوئها.
العمل القضائي في مساطر حجز مال المدين لدى الغير، منذ ذلك التاريخ إلى اليوم، كشف تباينا في التقيد بالدورية سالفة الذكر، وراكم تناقضات على مستوى الاجتهاد القضائي في هذا النوع من المساطر. فالعديد من الأوامر التي تصدرها تجاريتا الدار البيضاء والرباط تبقى بدون تنفيذ، ليس لعدم مباشرة مساطر التنفيذ في شأنها، ولكن لاستحالة ذلك، لأنها ناقصة من السند النفيذي، أهم قيود مسطرة الحجز لدى الغير، إذ أن المحكمتين تصدران زهاء 25 ألف أمر قضائي سنويا، ويفتح لها العدد نفسه من ملفات المصادقة وتسليم المبالغ لطالبي التنفيذ، لكن لا يتم البت فيها، نظرا لأن وثائق الملف لا تتوفر على سند تنفيذي.
بعض المهتمين ذهب إلى أن السبب في تراكم هذه الملفات وما تحمله من مبالغ مالية مهمة تبقى راكدة في البنوك، مرده إلى عدم التقيد بالنصوص المنظمة لمسطرة حجز مال المدين لدى الغير، التي تشترط أن يكون السند التنفيذي من بين وثائق الدعوى المرفوعة في هذا الباب، وإغفالها يصطدم باستحالة البت فيها.
أما البعض الآخر فقد اعتبر التخصص في تسيير المحاكم مسألة مهمة، ينبغي أخذها بعين الاعتبار، فالمحاكم التجارية قبل انطلاقها صرفت الدولة مبالغ ضخمة على البنايات ومثيلتها على تكوين الموارد البشرية، من قضاة وموظفين، إلا أنها بعد ذلك تخلت عن هذه الموارد المؤهلة، وتولي رئاستها لأشخاص لهم تكوين في الجنحي أو الإداري. وإذا تم التمعن في مسؤولي المحكمتين التجاريتين الابتدائيتين سالفتي الذكر (الرباط والدار البيضاء) فالأول كان يباشر مهامه رئيسا للمحكمة الإدارية بفاس، فيما الثاني كان يمارس مهامه رئيسا للمحكمة الابتدائية بطنجة بتخصصاتها في الأسرة والجنحي والمدني. ومسألة التخصص لها دور مهم في التسيير، سيما المحاكم التجارية التي أحدثت لتشجيع الاستثمار وحل المنازعات التجارية عبر مساطر التحكيم وأيضا البت بالسرعة التي يستلزمها المجال التجاري، والحال أن الدعاوى تطول وهناك أحكام تعرضت للاستئناف ثم النقض، أكثر من ذلك أن 50 في المائة من أحكام تجاريتي الرباط والبيضاء تستأنف، وما يوازي العدد نفسه يتم نقضه بعد البت في الاستئناف، علما أن معدل النسبة المائوية في المحاكم العادية لا تتجاوز 15 في المائة من الأحكام الابتدائية التي تستأنف، ويتقلص العدد إلى 10 في المائة في النقض.
تساؤلات عريضة يطرحها الوضع القائم، ففي الوقت الذي كان منتظرا فيه أن يشجع القضاء التجاري الاستثمار ويخلق نوعا من الاطمئنان لدى التجار، فإنه في الرباط والدار البيضاء تطول المساطر وتبقى الأوامر مجمدة ومعها تجمد  أموال المتضررين في البنوك، ما ينعكس سلبا على مناخ الاقتصاد ويبت الخوف من اللجوء إلى القضاء لحل المنازعات.
في ظل هذه التراكمات، يأتي سؤال آخر يتعلق بمدى نجاح فلسفة إحداث المحاكم التجارية، وهل غطت العيوب التي كان الحديث عنها قبل إنشائها، أم أنه آن الأوان لإعادة النظر فيها أو التراجع أصلا عن فكرة المحاكم التجارية التي أصبحت تخدم البنوك أكثر من التجار والمستثمرين، إسوة بدولة إيطاليا التي أزالت «المحاكم التجارية» منذ سنوات من تنظيمها القضائي.

المصطفى صفر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض