الصباح الثـــــــقافـي

مسار: بلعيد عكاف…مسار أزيد من أربعة عقود

عبر المحطات والتجارب العديدة التي طبعت مسيرته الفنية لأزيد من أربعة عقود، ظل الفنان والباحث الموسيقي بلعيد عكاف وفيا لحلم راوده مبكرا: أن ينقل الموسيقى المغربية بألوانها المختلفة من طابعها الفولكلوري إلى مرتبة العالمية، تداولا واعترافا.
وأكثر التجارب الموسيقية غرابة وجنونية يراها بلعيد عكاف مشروعا ممكن التحقيق، وهو الذي خبر الاشتغال على مناطق التجاور والتنافر بين الجغرافيات الموسيقية الوطنية والدولية، سعيا إلى بلورة أعمال خالدة تحمل الجدة ولذة التجريب وروح التلاقح والامتزاج الخلاق بين ألوان موسيقية، حتى المتباعدة المنشأ منها.
وإن كان هذا الفنان الأمازيغي، خريج معهد شايكوفسكي السوفياتي وتلميذ المؤلف الموسيقي الشهير سكوريك ميروسلاف ميخايلوفيتش، عميد الموسيقيين السوفيات آنذاك، قد تمرس على المزج بين الإيقاعات الأمازيغية وفنون الجاز، بما أفضى إلى خلق ما سمي ب “الجاز الأمازيغي»، فإنه لا يتردد في إبرام عقود زواج فريدة، كما بين الموسيقى الأندلسية ونظيرتها الشيلية.
في رصيد عكاف يتجسد عمق التنوع في الألوان والإيقاعات الموسيقية المغربية، كلها انبعثت بحلة جديدة في أعماله، بنضج أكاديمي وتوزيع حيوي، يؤهلها للتداول في أرقى المحافل الفنية، دون أن تفقد روحها الأصيلة وطابع العبقرية الجماعية التلقائية التي أنتجتها.
من العيطة الجبلية شمالا، إلى الحسانية جنوبا، مرورا بالعيطة وأحيدوس وأقلال، دون إغفال فن الملحون والموسيقى الأندلسية… لم يغلق بلعيد عكاف مشروعه التجديدي في رقعة الموسيقى الأمازيغية، بل حلق بجناحيه في سماوات التراث الفني المغربي، القديم والحديث، كما يجدر بفنان حامل لوعي حضاري متفتح، وسفير لذاكرة فنية خصبة تستحق موقعا أفضل في جغرافية الفن الفسيحة.
هاجس الذاكرة قاده إلى مشروع كبير لتوثيق مختلف الأنماط الموسيقية المغربية في ألبوم سجله في الولايات المتحدة. يقول لوكالة المغرب العربي للأنباء «هو ألبوم تم تسجيله بلوس أنجلوس، يضم نصوصا موسيقية مؤداة على أسس علمية بمشاركة عازفين أمريكيين انضموا إلى نظرائهم المغاربة الذين يعزفون على الآلات التقليدية».
يذكر بأسف أن الألبوم أنتج على نفقته الخاصة، بلا أي دعم. ويتذكر بالتالي زملاءه من الفنانين المغاربة «الذين يعملون في صمت دون تشجيع حقيقي»، إلى هؤلاء أهدى أبو ليلى الميدالية الذهبية للاستحقاق التي توجته بها، أخيرا، اللجنة الوطنية للموسيقى.
يقدم الألبوم “زواجا محليا» بين مختلف الألوان المغربية، في توزيع جديد. للمرء أن يتصور أحيدوس، التي تؤدى حصرا بالبندير، مقدمة بزهو على يد أوركسترا سمفونية، وبتوظيف آلات تقليدية أخرى مثل «الوترة».
اشتغل على المزج بين الإيقاعات المغربية وفن الجاز، لكن «من يفهمك في ذلك الوقت»، يتساءل بلعيد مضيفا «انتظرنا قدوم فنانين غربيين وتوظيفهم لإيقاعات مغربية، مثل كناوة، من أجل التنبه إلى أهمية هذا النوع من الإبداع الفني، علما أن الغربيين كانوا يمارسون المزج الإيقاعي في إطار الارتجال السريع».

( و م ع)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق