بانوراما

مغربيات خالدات: سارة الحلبية الفاسية … الأستاذة المبدعة

مغربيات خالدات (الأخيرة)

تكمن أهمية كتاب ” مغربيات حفل بهن التاريخ” للكاتب والباحث المتميز مصطفى حمزة، ليس فقط في استحضار نماذج نسائية مغربية عبر مختلف الحقب التاريخية منذ فترة الأدارسة إلى عهد العلويين، بل الوقوف على القيم الإنسانية النبيلة، التي تحلى بها المغاربة من قبيل الحكمة والصبر والتجلد والشهامة والنبل والتضحية… فتقديم النماذج النسائية المغربية التاريخية، مع التركيز على خصوصيات ومميزات كل نموذج، هو دعوة، من المؤلف، إلى إعادة قراءة تاريخ المغرب بشكل موضوعي لاستكشاف ما يزخر به من دروس وعبر.

أستاذة، أديبة، شاعرة، لها محاورات شعرية مع فطاحل الشعر المغربي في عصرها. عرفت سارة بنت أحمد بن عثمان بن الصلاح الحلبية مولدا، المغربية دارا، الفاسية مماتا، بأنها “أستاذة شاعرة من طبقة عالية في الأدب”.
فقد عاصرت سارة ابنة أحمد “أعلاما من ذوي شهرة وجاه عريضين كلهم من أقطاب العلم أو فرسان الآداب مثل مالك بن المرحل (توفي في 699 هجرية)، وابن الرشيد الفهري السبتي (توفي بفاس في 721 هجرية) وغيرهما من الأعلام…”، ما جعل منها علما فكريا تشد الرحال للأخذ عنه.

وإذا كانت المصادر التاريخية لا تسعفنا في معرفة من أخذوا عن سارة الحلبية الفاسية، فيكفيها فخرا أنها “أجازت عبد الله بن سلمون (الكتاني)، مؤلف “العقد المنظم للحكام في ما يجري بين أيديهم من العقود والأحكام” والمتوفى سنة 767 هجرية، بالإضافة إلى مساهمتها في ضروب من النشاط الفكري الذي عرفه المغرب خلال الفترة التي عرفت تجاذب الصراع الموحدي ـ المريني”.

لم يكن الأدب هو العقد الوحيد الذي رصعت به سارة الحلبية الفاسية مسار حياتها مغربية حفل بها التاريخ المغربي، بل توجته بما كانت تجود به قريحتها شاعرة مبدعة ينساب الشعر من ثغرها الزاهي انسياب البلسم.

لم يكن الشعر بالنسبة لسارة ابنة أحمد الحلبي، ترفا ولا معصما تشد به مقامها أمام من تنتمي إليهم من علية القوم في الأدب، فقد كان بالنسبة إليها مبتغى ومرمى، فطالب العلم ـ كما يقول العالم الموسوعي محمد التهامي الحمري، “ينبغي أن لا يخلي نفسه من تعلم الشعر لما قيل إن الشعر ديوان العرب، وترجمان الأدب، يرغب في اكتساب المكارم وحمل العظائم…”، وقال بعض السلف، يضيف مؤلف الخل المواطي، “تعلموا الشعر فإن فيه محاسن تنتقى ومساوئ تتقى، وقال عبد الملك: علموا أولادكم الشعر فإنه ديوان العرب، وترجمان الأدب، يحشد النفوس الجليلة، ويرغبها في اكتساب كل فضيلة…”.

توجت سارة الحلبية مسارها بفضائل كثيرة بما أجادت به قريحتها من مدح في حق صفية العزفية من بيت العزفيين ولاة سبتة، إذ قالت في حقها:

ومن مثل ذات العلم والحلم والنهى
لقد سار سير الشمس معجزها الأرقى
لقد سار سير الشمس فخر صفية
ونور إكبارا لها الغرب والشرقـــــــــــا.

لم تكن محاورات سارة الحلبية الفاسية لشعراء عصرها سوى ترجمة لما عرف عنها، “أستاذة أديبة شاعرة من طبقة عالية في الأدب”، عرفت بنبل علو قدرها، وسمو أخلاقها، وحظيت بتقدير أعلام الفكر والعلم في عصرها.

فقد قالت في حق ابن رشيد السبتي:

وافى قريض منكم قد غدا لبعض أوصافكم ذاكرا
يابن رشيد يا أخا الرشد يا من لم يزل طي العلا ناشرا
خذها فدتك النفس يا سيدي وكن لمن نظمها عاذرا
لم تستطع أنثى بتقصيرها بأن تجاري ذكرا ماهرا

تعفف وتواضع سارة الحلبية أمام ابن رشيد، زاده توهجا مدحها لابن المرحل أحد أعظم شعراء بني مرين، الخبير بمواضيع النقد في الشعر والمبدع في ضروب الشعر كلها.

يحتضن أحد قبور فاس ـ عاصمة ملك العديد من الدول التي حكمت المغرب ـ جثمان سارة، ويبقى أدبها وشعرها يصنفانها ضمن فطاحل عصرها أدبا وشعرا.

مصطفى لطفي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق