بانوراما

مغربيات خالدات: مسعودة الوزكيتية … عرابة السعديين

مغربيات خالدات 11

تكمن أهمية كتاب ” مغربيات حفل بهن التاريخ” للكاتب والباحث المتميز مصطفى حمزة، ليس فقط في استحضار نماذج نسائية مغربية عبر مختلف الحقب التاريخية منذ فترة الأدارسة إلى عهد العلويين، بل الوقوف على القيم الإنسانية النبيلة، التي تحلى بها المغاربة من قبيل الحكمة والصبر والتجلد والشهامة والنبل والتضحية… فتقديم النماذج النسائية المغربية التاريخية، مع التركيز على خصوصيات ومميزات كل نموذج، هو دعوة، من المؤلف، إلى إعادة قراءة تاريخ المغرب بشكل موضوعي لاستكشاف ما يزخر به من دروس وعبر.

شكلت مسعودة أو عودة الوزكيتية، نموذجا للمرأة المغربية في العهد السعدي، إذ لم ترهنها حياة القصور، ولا إغراءات السلطة، عن المساهمة في بناء مجتمعها والانفتاح على قضاياه.
فقد كانت مسعودة بنت الشيخ أبي العباس أحمد الوزكيتي، أكثر اهتماما بالقضايا الاجتماعية لوطنها، وشاركت فيها بشكل فعال، مما جعلها محط اهتمام العديد من المؤرخين والمهتمين بالشأن الاجتماعي في عصرها، “فكم جهزت من يتامى، وكم زوجت من أيامى، وكم بذلت من صدقات، وكم أجزلت من صلات”.

وإلى جانب اهتمامها بالجانب الاجتماعي، كانت مسعودة والدة السلطان أحمد المنصور السعدي، الذي حكم المغرب ما بين 996 هجرية و1012 هجرية، حريصة على بناء المرافق العامة، “فأنشأت في هذا السبيل العديد من المساجد والقناطر والكراسي العلمية…”، فأم المنصور هي التي أسست مسجد باب دكالة بمراكش عام 965 هجرية، وأوقفت عليه نحو سبعين حانوتا وغيرها، وأقامت بإزائه مدرسة للطلبة الغرباء ومكتبة وذخائر كتبت على بعضها بخط يدها.

وتزعم العامة، وهذا شأنها دائما، “أنها بنت المسجد المذكور كفارة لما انتهكته من حرمة رمضان، وذلك أنها دخلت بستانا من بساتين قصورها وهي في حال الوحم، فرأت به خوخا ورمانا فتناولتهما وأكلت منهما في نهار رمضان، ثم ندمت على ما صدر منها، وفعلت أفعالا كثيرة من باب البر رجاء أن يتجاوز الله عنها، ومنها الجامع المذكور، وما زالت النساء والصبيان، يسجعون بقضيتها إلى الآن فيقولون: عودة أكلت رمضان بالخوخ والرمان”.

ولم تقف اهتمامات والدة أحمد المنصور، عند حد بناء هذه المرافق، بل تعدتها إلى تسييرها ومراقبتها وصيانتها إذ (حبست عليها الأحباس الطائلة)..

ويبقى نص التحبيس، الذي خصت به ـ مسعودة بنت الشيخ الأجل أبي العباس أحمد بن عبد الله الوزكيتي الوارززاتي ـ مسجد باب دكالة من مراكش الحمراء المحروسة، أحد أهم مآثرها إلى جانب القنطرة العظيمة على وادي أم الربيع، خير دليل على حجم الأوقاف التي كانت تحبسها على هذه المرافق العامة.

ظل ذلك دأب مسعودة زوجة أبي عبد الله المهدي، “المتحدث بنباهة شأنها، المعروفة بسداد النظر وإصابة الرأي، والحائزة درجات السبق بالمبادرة والسعي في الخيرات وأعمال البر والإيثار للأولياء”، إلى أن فارقت الحياة في السابع والعشرين من المحرم فاتح 1000 هجرية.

مصطفى لطفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق