fbpx
منبر

حكومة بنكيران وممارسة السياسة بالأخلاق

بدت حكومة بنكيران واثقة من أداء عملها الذي حدده الدستور الجديد، واتضحت صورتها أكثر في التعامل مع الواقع المغربي الجديد في أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية،
وفي أشياء أخرى تختمر في أذهان الحاكمين الجدد. واللافت في هذه الصورة التي لم تعد مبهمة، كما كان الأمر في السابق، أن الفريق الوزاري لحزب العدالة والتنمية كشف

في كثير من المحطات عن طريقة تعامله مع الملفات، مركزا في تعاطيه مع الوضع الداخلي للبلاد على البعد الأخلاقي
الذي يعتبره حزب المصباح المدخل الرئيسي لحل المعضلات.

المنع وكبح الرغبات  يؤديان الى الاقبال المتزايد على الفعل المحظور في كل المجتمعات

بادرت حكومة بنكيران بأعضائها الشرعيين والمستقطبين في إطار «التفاهمات» إلى الإسراع بإخراج بعض الملفات من الرفوف، وعرضها على القضاء في زمن قياسي لا يحتمل التأخير، تحت ضغط الحماس الحكومي للشروع في محاربة مظاهر الفساد، شملت نماذج من المسؤولين السابقين أو العاملين على رؤوس بعض المؤسسات، مع إعطاء المثال عن عزمها على تخليق الحياة باعتقال أحد القضاة.
وتريد الحكومة من هذه التحركات التي روجت لها بلغة تنهل من قاموس الأخلاق، أن تعطي الانطباع للشعب المغربي بأن حملة محاربة اقتصاد الريع وتبديد المال العام واستغلال النفوذ انطلقت فعلا ولن تتوقف، إلا بالوصول إلى منابع الفساد الذي ألهب ويلهب شعارات الشباب المرابطين منذ سنة في الساحات.
كما أن خطاب الحكومة الأخلاقي، الذي تستمده من موقفها الرافض لترويج الخمور والمخدرات والتبرج الذي يخدش مشاعر مجتمع محافظ رغم انفتاحه على الثقافات، جعلها تعمد إلى تحيين هذا المبدأ من موقع السلطة في اتجاه تفكيك بنية صناعة وترويج الخمور عبر عدة آليات، من أهمها مقترح الرفع من أثمنة المنتوج بشكل يؤدي في اعتقادها إلى تراجع أعداد المستهلكين أو بالأحرى المدمنين منهم، تمهيدا لإغلاق أوكار الخمارات. لكن ما هي حدود المناورة التي يمكن لحكومة بنكيران أن تتحرك في مربعها لترجمة نوايا تخليق الحياة العامة إلى أفعال في مغرب التناقضات ؟ فهل يمكن لهذه الحملة الحماسية أن تصمد في وجه كبار المتحكمين في اقتصاد الريع الذين تحوم حول ثرواتهم الفلكية الشبهات؟
وهل يمكن لحكومة تنشط في دائرة ضيقة بحكم تداخل القرارات أن تطارد الساحرات بتلقائيا معايير أخلاقية، دون أن تصطدم بالحواجز السياسية والاقتصادية التي يرجع تدبيرها إلى مراكز النفود من أعلى المستويات؟
الواقع، أن بإمكان الحكومة أن تتحرك في المجال المحدد لها بالدستور، ولها أن تركب صهوة القانون لاصطياد الأسماك المتعفنة في عدد من المؤسسات والإدارات، لكنها ستظل في حاجة إلى تلقي الضوء الأخضر من فوق كي تتجاوز عتبة مستنقعات «الحيتان» الضخمة المحصنة بالمال والنفوذ في ما يشبه المحميات.
أما الحرب المفترض شنها على الخمر، والتي تبدو بسيطة باستصدار بعض القرارات، فإن خوضها سيصطدم بأخطبوط  مهيكل، نسج على مدى العقود شبكات متفرعة من المنتجين والصناع والموزعين، يتاجرون خلف الستار في هذا المحظور/ المباح، بصفات الأشباح، درءا للكشف عن الأسماء والهويات. فالأمر يتعلق بأباطرة كبار راكموا الأموال الطائلة في هذا القطاع، وعمدوا إلى تبييضها في قطاعات استثمارية واقتصادية قائمة الذات.
إن «صحوة» بنكيران، ورفاقه التي حجبت الفعل السياسي الواضح والمتحرر من أوهام الأخلاق لمحاربة معضلات الفساد قد تكون لها بعض النتائج القابلة للاستهلاك السياسي والإعلامي، في حدود نماذج غير ذات وزن من المتلاعبين بالمسؤولية في إطار وظائفهم الإدارية، لكنها لن تمتد إلى كبار المفسدين المحميين بالامتيازات والحصانة، إلا بقرارات سياسية تتجاوز منطق النصح والإرشاد والتلويح بالمتابعات.
لن يبقى الحديث عن منع الخمور والتصدي لها صدى لدى المستهلكين المغاربة سوى الرفع من حجم الاستهلاك، لأن الدراسات أثبتت أن منع الأشياء وكبح الرغبات، يؤديان بالضرورة إلى الإقبال المتزايد على الفعل المحظور في كل المجتمعات.
فالكشف من قبل حكومة بنكيران عن بعض مظاهر الريع المتمثلة على الخصوص في أكثر من 3600 مأذونية نقل استفاد منها سياسيون ورجال سلطة كبار وضباط عسكريون تدر عليهم ريعا ستظل مجرد فقاعة في كأس ما لم ستتبعها عمليات ملموسة  لتنظيم القطاع، بدل الاكتفاء بفضح المستفيدين على أعمدة الصحف، في إشارة واضحة من وزير النقل إلى أنه حرك هذا الملف بوازع الضمير والأخلاق.

إبراهيم عليا, صحافي مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى