اذاعة وتلفزيون

تكالب الإعلام والساسة ضد الحقيقة

أظهرت الأحداث الأخيرة التي شهدتها مدينة العيون أن الإعلام الذي يوكل له لعب أدوار طلائعية في الإخبار والتنوير، يمكن أن يتحول إلى آلة لنشر الدعايات الكاذبة وتلفيق الأخبار الزائفة التي يمكن أن تكون لها عواقب وخيمة.

ويتحدث الكثير من المتتبعين عن “تاريخ أسود للإعلام” من خلال استحضار العديد من الأمثلة التي كان آخرها ما قامت به بعض وسائل الإعلام الإسبانية في تغطيتها لأحداث مدينة العيون، ومن قبلها التغطية المتحاملة لبعض وسائل الإعلام الأمريكية في حرب الخليج التي انساقت مع أكاذيب إدارة بوش وسوقت أطروحة “أسلحة دمار شامل” لم يعثر عليها قط وأسلحة كيماوية وسموم “أونتراكس” وغيرها. فالجيش العراقي لم يستخدم أبدا لا أسلحة كيميائية ولا أسلحة جرثومية خلال المعارك، في حين أن النظام كان يوشك على السقوط. ولم تجد القوات الأميركية ما يكفي لتبرير هذه الحرب وسقوط عشرات الآلاف من القتلى فيها.
وتعد قصة الرئيس الروماني الأسبق، نيكولاي تشاوسيسكو، أقل شهرة لكنها أكثر تعبيرا ودلالة.
فقد عاشت رومانيا في زحمة البريسترويكا حملة تضليلية كبرى مع زعيمها الذي تم إعدامه رفقة زوجته وعمره قد قارب 72 سنة.
ونسجت الحكايات حول تشاوسيسكو الذي حكم البلاد لمدة 22 سنة كاملة، لينتهي مصيره بالموت بطريقة رهيبة لم يحدث مثيل لها في التاريخ.
وكان تشاوسيسكو تسلم زمام رئاسة رومانيا في 1967 في استقرار شامل إلى غاية ثورة 1989 التي هلك فيها 1104 أشخاص، إذ انقلب الوضع عندما أعلن التلفزيون في 21 دجنبر 1989 بأن المدرعات تدخلت في بوخارست وقتلت الكثيرين تحت عجلاتها وتم في اليوم الموالي إعلان حالة الطوارئ القصوى ثم اهتزت رومانيا على خبر انتحار وزير الدفاع الروماني الجنرال فازيل، وحينها اختلط الحابل بالنابل، فهرب نيكولاي تشاوسيسكو مستعملا طائرة هيليكوبتر وقبض عليه في مدينة تشيرغوفيست، حيث تم تنفيذ إعدامه رميا بالرصاص وكان رفقة زوجته وأبنائه الثلاثة.
واتضح بعد إعدامه أن الإعلام بالغ في عدد ضحايا ثورة رومانيا، إذ قالت الإذاعة المجرية إن عدد القتلى فاق 70 ألف، وقالت الواشنطن بوسطت إنه جاوز المائة ألف، ليتضح أن العدد الرسمي هو 1104.
وعرضت شاشات التلفزيون صورا في غاية البشاعة لما سمي آنذاك مجزرة “تيموسوارا” التي اتهم فيها النظام الشيوعي للرئيس الروماني بقتل آلاف المواطنين الذين تظاهروا ضد نظامه.
وتنافست وسائل الإعلام الغربية في شحذ الغضب والتقزز من نظام تشاوسيسكو في نفوس الناس، وكتبت بعض الصحف أن شاحنات القمامة كانت تنقل جثث المتظاهرين لدفنها في أماكن مجهولة، وأن قوات الأمن الروماني كانت تعدم سائقي الشاحنات حتى لا تترك شاهدا على ذلك التصرف الإجرامي. فانحرفت وسائل الإعلام واستخدمت بشكل متعمد الخديعة والكذب لتضليل المتلقين، والتلاعب بالحقيقة لخدمة هدف سياسي، يتمثل في تعجيل التحاق شعوب أوروبا الشرقية بركب الرأسمالية المنتصرة. وتبين فيما بعد أن صور الآلاف من ضحايا مجزرة تيموسوارا التي نسبت إلى قوات “السكيريتات” (الأمن الروماني) كانت في الحقيقة جثثا أخرجت من المقابر، وتم تصويرها في التلفزيون لإضفاء الطابع المأساوي على سيناريو التضليل!

جمال الخنوسي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق