اذاعة وتلفزيون

عبد الوهاب الرامي: صور “أنتينا 3” جنوح نحو تجريم المغرب

قال إنها بثت لخدمة أجندة سياسيين معروفين بإسبانيا يتبنون أطروحات ضد وجود مغرب قوي

قال عبد الوهاب الرامي، باحث وخبير في المجال الإعلامي إن الصور التي بثتها قناة “أنتينا 3” والمتعلقة بجريمة قتل بحي سيدي مومن بالدار البيضاء ونسبتها إلى أحداث العيون تعني، غلبة الإيديولوجيا على هذه الوسائل الإعلامية الإسبانية، وعدم

تخلصها من ثقل الصور النمطية تجاه المغرب، مضيفا أنه أمر له جذور تاريخية لم تفلح الحداثة، ولا علاقات الجوار بعد في اقتلاعها. عن خلفية تلك الصور والجنوح الجماعي من طرف وسائل الإعلام الإسبانية لتجريم المغرب عبر توظيف صور لوقائع صادمة لا علاقة لها بأحداث العيون تحدث الرامي ل”الصباح” في الحوار التالي:

على ضوء الأحداث التي عرفتها العيون والصور التي نشرتها قناة “أنتينا 3” الإسبانية، كيف يصبح التلفزيون سلاحا عند رجال السياسة ليتحكموا في نشر أخبار زائفة؟
للتلفزيون سلطة قوية أصبحت اليوم عابرة للقارات، وهناك من يسميها سلطة “جيوتلفزيونية”. ويكتسي التلفزيون أهميته بشكل أساس من الصورة، إذ يجب ألا ننسى أن الرأي العام يظل متشبعا بمقولة “من رأى ليس كمن سمع”، وهو أمر يجعل الصورة ولو زائفة، تقترب ذهنيا من الحقيقة، لأنها تترك ظلالها في اللاشعور. ومن هنا يأتي خطر التلفزيون، وقوته التأثيرية خاصة على سواد البشر، أي المواطن العادي.
وعلاقة التلفزيون بالسياسة علاقة وثيقة، وهي تتحدد، في ما يتعلق برجال السياسة، في الجانب التواصلي أساسا. فليس همّ السياسيين، وهذا الأمر متفاوت طبعا بالنظر إلى درجة نزاهتهم وتصورهم للعمل السياسي، هو الإخبار والكشف عن الحقائق، بل تلميع الصورة، بما يعنيه هذا التلميع، في التكتيك السياسي، من تبخيس لصورة الآخر المنافس أو المناهض.
ومن هنا يمكن فهم ما أقدمت عليه “أنتينا 3” وهي تنشر صورة مأساوية لأسرة اغتال بعض أفرادها مختل عقليا بحي سيدي مومن بالدار البيضاء، ونسبها لأحداث العيون الأخيرة، إذ يصبح الإعلاميون هنا تحت رحمة إيديولوجيا مبنية على الصور الجاهزة تجاه المغرب، وهذا من شأنه أن يخدم أجندة سياسيين معروفين بإسبانيا يتبنون دون هوادة أطروحات ضد وجود مغرب قوي ومتماسك على الحدود الجنوبية للجارة الإسبانية.
والأخطر من كل هذا أن يصبح الإعلام الإسباني مؤدلجا من تلقاء ذاته، هذا في الوقت الذي كان يجب فيه أن يجند نفسه لصدّ موجة العداء ضد المغرب، باسم مبادئ التعايش لا التنابذ.    

من خلال الإطلاع على تاريخ الإعلام وخاصة المرئي كانت أحداث كثيرة نشرت حولها أخبار زائفة من بينها ما بثته قناتا “سي إن إن” و”فوكس نيوز” عن حرب الخليج وعن أسلحة الدمار الشامل، فما تعليقك على الموضوع؟
نعم، إن تاريخ التلفزيون مليء بالمغالطات وذلك لكون الشاشة الصغيرة تمثل رهانا سياسيا لا يجارى. والأمثلة في هذا الباب كثيرة نذكر منها على سبيل الحصر ما وقع برومانيا سنة 1989، حين تم اختلاق ضحايا بعشرات الآلاف، من أجل تسريع الإطاحة بتشاوسيسكو، مما خلف تعاطفا دوليا كبيرا مع المنتفضين على النظام. كما أنه بعد تحرير مدينة الكويت، في حرب الخليج الثانية، أظهرت قناة “السي إن إن”  فرقة أمريكية خاصة تم إنزال أعضائها على سطح مبنى السفارة الأمريكية بواسطة طائرات الهليكوبتر المقاتلة من أجل اقتحامها، مع تعليق يفيد أن مبنى السفارة مفخّخ من الداخل من طرف العراقيين. ولم يكن هذا سوى تمثيل خادع من طرف أعضاء الفرقة لأن السفارة كان قد جرى تفتيشها بالكامل قبل يومين من التصوير، ولم يكن بها أي كمين يذكر.
ويبدو جليا أنه خلال الحروب ذات الطبيعة الحضارية أساسا، يصبح التلفزيون أداة لوجستيكية، كما تصبح هناك رغبة لا تقاوم لدى الساسة لحسم المعارك على شاشة التلفزيون. ولم يخف المسؤولون الأمريكيون في أعقاب أحداث 11 شتنبر إمكانية اللجوء للكذب من أجل التدبير السياسي والعسكري للأزمة.
وقد اعتبر 84 في المائة من الصحفيين بفرنسا أنه تمت مغالطتهم في حرب الخليج، بما يعني أنهم كانوا تحت التأثير المخدر للسياسيين والعسكريين.
إن مقولات «العراق رابع قوة عسكرية في العالم “، و”بقعة النفط العائمة الأكبر في هذا القرن” بعد غزو الكويت، و”خط الدفاع العراقي الذي لا يقهر”، و”امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل”، كانت كلها مقولات تم تبريرها بصريا من طرف التلفزيون (وخاصة “السي إن إن”) بصور لا صلة لها بالحقيقة، وذلك توافقا مع المقولة السائدة آنذاك “لا إعلام خارج الصورة”.  
وبالرجوع إلى انزلاقات الإعلام الإسباني في تغطيته لأحداث العيون، يجب التأكيد على الفارق بين السياق الذي أشرت فيه إلى هذا النوع من التلفيق، والسياق الذي تم فيه نشر صور زائفة من طرف الإعلام الإسباني، إذ لا نتصور نحن المغاربة أننا في حرب مع الجارة إسبانيا، بل إننا نسعى، على العكس، لحل الخلافات العالقة بيننا بطرق حضارية وسلمية. ومن هنا لا نفهم أن يكون هناك جنوح جماعي من طرف وسائل الإعلام الإسبانية لتجريم المغرب عبر توظيف صور لوقائع صادمة لا علاقة لها البتة بأحداث العيون.إن ما يعنيه تداول هذه الصور دون أدنى تمحيص من طرف وسائل الإعلام الإسبانية هو غلبة الإيديولوجيا على هذه الوسائل الإعلامية، وعدم تخلصها من ثقل الصور النمطية تجاه المغرب، وهو أمر له جذور تاريخية لم تفلح الحداثة، ولا علاقات الجوار بعد في اقتلاعها.    

ما هي الضوابط الواجب أن تحكم وسائل الإعلام وتحديدا التلفزيون كي لا يقع في انزلاقات تأكيد أخبار زائفة؟
هذه الضوابط معروفة لدى المختصين ومنها الالتزام بـ “الشك الصحفي” المؤدي لليقين في كل الحالات والأحداث التي تكون حساسيتها عالية، بمعنى أنها مفتوحة على تجريم الآخر، أو كيل الاتهامات له، أو التنقيص منه، أو المس به ماديا أو معنويا.
ثم إنه يصبح لزاما في مثل هذه الحالات الإخبار بالمصادر، حتى إذا ما تم تغليط وسائل الإعلام، يظل من السهل ضبط المصدر المغالط وفضح نيته في ما بعد. وهذا يخلي جزئيا، كنوع من ظروف التخفيف، مسؤولية الصحفي من حيث تبني ما يرد من أخبار أو صور كاذبة، طبعا دون أن يبرئ ذمته بخصوص الترويج لخبر ملفق.
ويجب كذلك الاعتماد بالدرجة الأولى على الصور التي يلتقطها صحافيو وسائل الإعلام بأنفسهم، لا تلك التي تصل وسائل الإعلام جاهزة من مصادر غير معروفة أو لها فقط هم تسويق أطروحاتها.
وعلى وسائل الإعلام أن تسعى إلى الموضوعية بإدراج وجهات النظر المتناقضة في حالة أخبار حساسة يمكن أن يكون حولها جدل أو خلاف، وذلك حتى لا تنحاز لطرف دون آخر.هذه جوانب من الضوابط التي تحكم الاشتغال المهني بوسائل الإعلام وخاصة في حالة الأزمات، من أجل ألا تتحول هذه الوسائل إلى بوق للدعاية يوظفه السياسيون لمشيئتهم.  

ما هي المسافة التي ينبغي أن يحترمها التلفزيون العمومي في علاقته مع الدولة والسياسيين حتى لا يتحول إلى وسيلة تمرر من خلالها ما تريد؟
على التلفزيون العمومي أن يكون عموميا، بالمعنى الأول الذي يفيد رعاية المصلحة العامة، وكذا بالمعنى الثاني الذي يقر بانخراط العموم فيه. وعلى الدولة عبر أجهزتها أن تكون حريصة على أن تكون هاتان السمتان قاعدة الإعلام العمومي.
إن التلفزيون العمومي، الذي لا يعبأ في المقام الأول بالهواجس التجارية، مطالب بالدفع بالمواطنين إلى التماسك الاجتماعي، وشحذ حسهم السياسي من أجل مشاركة فاعلة في الشأن العام، وترقية أذواقهم عبر التركيز على مقومات التربية السليمة والراقية، والحث على التشبع بالديمقراطية والحداثة.
وكل من يساهم في تعزيز هذه المبادئ من مواطنين أو أحزاب أو جمعيات أو أجهزة دولة هو أهل للمشاركة في المحتوى الإعلامي العمومي، لأنه يكون متناغما مع شروطه ومتطلباته. وتتحدد المسافة بين الإعلام العمومي ورجال السياسة بهذه الشروط نفسها.

أجرت الحوار: أمينة كندي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق