اذاعة وتلفزيون

أمريكا استعانت بترسانة إعلامية للكذب على شعبها

أوهمت الرأي العام بأن غزو العراق حرب عادلة الغرض منها الدفاع عن أمن الأمريكيين

تجيد الولايات المتحدة الأمريكية لعبة اسمها التضليل الإعلامي من أجل خدمة مصالحها وأهدافها الاستراتيجية، مستعينة في ذلك ب»ترسانة» إعلامية تعد الأكثر تطورا من الناحية التقنية في العالم. ولقد كان في إعلانها الحرب على العراق، في ما عرف

بحرب الخليج الثالثة، وتجنيد وسائل إعلامها من أجل تحضير الرأي العام الأمريكي والدولي مسبقا لهذا الغزو، كل الدليل على التفوق الأمريكي في مجال الإعلام والمعلومات والتمكن التام من توظيفه وفق ما يناسب أهدافها المرسومة.
لقد مارست الإدارة الأمريكية في عهد جورج بوش الابن، تأثيرا قويا على وسائل إعلامها، سواء قبل غزو العراق أو بعده، بشكل جعل الرأي العام الأمريكي يؤمن فعلا بالرواية الرسمية حول مبررات الحرب، وحول وجود خطر محدق بالمواطنين الأمريكيين بسبب أسلحة الدمار الشامل التي يملكها الرئيس العراقي صدام حسين، وهي الرواية التي تبنتها وكرستها وسائل الإعلام الأمريكية التي مارست في الوقت نفسه، التعتيم على جميع الأصوات المعارضة لهذه الحرب سواء كانت وسط كبار ضباط «البنتاغون» أو ضمن مسؤولين هامين في الخارجية، أو خبراء من شأنهم التشكيك في تلك المبررات والتأكيد أن جميع المعلومات المتداولة لا أساس لها من الصحة.
وصــــــــــــورت الإدارة الأمــــريكيــــة، من خلال وســــــــائل الإعـــــلام، لشعبهــــــــــــا، بأن غزو العراق هو بمثابة حرب عادلة وضرورية تخوضها حفاظا على الأمن القومي ودفاعا عن الخطر الذي تشكله أسلحة الدمار الشامل في حوزة صدام حسين، وهو ما يستدعي منها تغيير النظام الذي يهدد أمن وسلامة المواطنين الأمريكيين، بل بالغت وسائل الإعلام، خاصة «ســـــي إن إن» وشبكة «فوكس نيوز»، في حملتها الكاذبة، مشيرة إلى تواطؤ النظام العراقي مع زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، بل ربطت بينه (النظام العراقي) وبين نظام الحكم في كوريا الشمالية، حين ركزت في أخبارها اليومية على عملية القبض في الخليج العربي على السفينة التي كانت تحمل صواريخ كورية، رغم أنها كانت متوجهة في الأصل إلى اليمن. وقد كان الهدف من وراء تلك الحملة الإعلامية الشرسة والمضللة هو طمس الحقائق وخدمة جنرالات الحرب وتوجيه الرأي العام الأمريكي والعالمي.
وحتى لا تكرر ما وقع في حربها على الفيتنام من تأليب للرأي العام، فرضت الإدارة الأمريكية، بتنسيق بينها وبين إدارات العديد من الأجهزة الإعلامية، على الصحافيين تغطية خاصة جدا لعملية الغزو، حتى تظهر الجانب «النظيف» منها فقط، إذا جاز التعبير، إذ خضع المراسلون لتدريبات على استخدام الأسلحة، وطلب منهم اتخاذ الصفوف الأمامية والتنقل عبر المدرعات، في الوقت الذي نصبت فيه بعض التلفزيونات الأمريكية كاميراتها في مقدمة الدبابات المتحركة نحو بغداد وباقي المدن العراقية الكبرى. وتجاهلت جل وسائل الإعلام الأمريكية وجهة النظر العراقية والعربية غير الرسمية، والمناهضة للحرب، بل غالبا ما كانت تتبع التغطية الرسمية العراقية بتعليقات من الجانب الأمريكي لسحب المصداقية عنها، في تلاعب واضح بالمهنية وأصول العمل الإعلامي المحايد والموضوعي.
من جهة أخرى، تم توزيع حوالي 500 مراسل على مختلف القطاعات العسكرية بعد منحهم تعليمات دقيقة في ما يخص لقاءاتهم مع العسكريين، كأن يتم تسجيل أي لقاء وعرضه على المسؤول العسكري قبل البث، وتجنب الالتقاء بالعسكريين المعارضين للحرب. وكانت محطة «سي إن إن»، على سبيل المثال، عممت مذكرة على جميع مراسليها في العراق، بوجوب إرسال مسودة عن المادة التي يفترض بثها، حتى تتم الموافقة عليها من طرف المسؤول الأول داخل المقر الرئيسي للقناة في أتلانتا، وذلك قبل بدء الإرسال. وهو الأمر الذي سبق أن علق عليه برنارد شو، المنشط التلفزيوني الشهير الذي عمل لفترة طويلة مع المحطة العالمية، في حينه بالقول: «المراسلون والصحافيون سيكونون أسرى للقيادات العسكرية التي ستتحكم في تحركاتهم وتحدد لهم ما الذي يجب أن يبث وما الذي يجب أن لا يبث، بل إنهم سيتحكمون في التوقيت الذي سيرسلون فيه تقاريرهم. إن فكرة اشتغال الصحافيين تحت جناح الجيش الأمريكي خطيرة بالنسبة إلي».
لقد فرضت الإدارة الأمريكية بترتيب مع وسائل إعلامها، رقابة متشددة حول كل ما تم تسجيله وتصويره، لينقل المراسلون ما يريده قادة الوحدات فقط من جانب واحد من خلال تقارير غير موضوعية ومعلومات مغلوطة، بحيث لم تظهر على الشاشة كل تلك المذابح والفظاعات التي ارتكبها الجيش الأمريكي في بلاد الرافدين، وكانت التقارير التي تبث أقرب إلى التقارير العسكرية منها إلى التقارير الإعلامية.
لقد كان بوش ومحافظوه الجدد يعرفون تمام المعرفة أن العراق لم يعد يشكل خطرا على الولايات المتحدة الأمريكية أو غيرها، كما كانوا يدركون جيدا أن صدام حسين لا يملك أية قدرات في مجال تطوير أسلحة الدمار الشامل، وهي الحقائق التي تبينت صحتها للرأي العام العالمي، لكن بعد فوات الأوان، وبعد أن حقق بوش الصغير و»شلته» الكبيرة، الهدف الأول من غزو العراق، بتواطؤ مع وسائل الإعلام الأمريكية.

نورا الفواري

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق