حوادث

دراسة: عفوا معالي الوزير… كرامتنا محفوظة بالملكية

حبيب عنون
المعنى الوحيد الذي يمكن أن يستخلصه المواطن المغربي من تهديداتكم هو عدم الاستقرار

من ينصت إلى الخرجات الاعلامية لوزير العدل والحريات قد يعتقد أن المواطن المغربي كان، قبيل مجيء الوزيرالرميد، دون كرامة، وهذه المقولة تشبه تلك التي شبه بها «مسؤول سابق» حين صرح خلال حوار تلفزيوني بكون المغاربة كانوا يعيشون في «جذوع الأشجار».

عجبا لمواطنين يأكلون من خيرات بلدهم ويعيشون في ظل أمان العرش العلوي، أن تسمح لهم نفسهم بالجرأة على البوح بهذه الأقاويل. ربما قد يكون هذا هو التفسير «الجديد» لحرية التعبير والرأي لذا البعض.
ولكن سيدي الوزير، ما المفهوم الذي توليه معاليكم لمصطلح الكرامة؟ هل هو العيش الكريم؟ أم السكن اللائق؟ أم الحق في التربية والتعليم؟ أم الحق في الشغل؟ أم الحق في الاستفادة من الخدمات الصحية؟ أم في ماذا…؟ لكون تهديد سيادتكم بالاستقالة من مهام شرفكم عاهل البلاد والشعب المغربي بتقلدها بمجرد المساس بكرامة المواطن المغربي، خصوصا إذا كان التهديد دون تعليل واضح، قد يدخل في ذهن هذا المواطن بعض التساؤلات أو بصحيح العبارة بعض الوساوس التي هو في غنى عنها؛ لكونه أعطى ثقته لحزب، بناء على خطاب سياسي واقتصادي أرضاه أو عقابا لخطابات سياسية واقتصادية لم تؤت أكلها، وبينما هو ينتظر الشروع في العمل آملا في بروز أولى الإشارات الايجابية، تراه يستقبل تهديدات بالاستقالة، وأن تدبير شؤونه إنما هي «خسارة مادية ومعنوية».
فعلاوة على هذا «شعار» الاستقالة الذي يلوح به السيد وزير العدل والحريات نجده يؤكد على كونه «خاسر ماديا ومعنويا من تقلده لهذا المنصب». أعتقد أن هذا التصريح يتناقض والتشريف السامي لتحمل مسؤولية تدبير لمجرد قطاع واحد من بين مختلف القطاعات. هل باتت خدمة الوطن، في عهد حكومة بنكيران، تعتبر خسارة يا معالي الوزير؟ هل ادعاؤك بالعمل على «صيانة» كرامة المواطن المغربي تعتبر خسارة مادية ومعنوية؟ من الواضح أنه ثمة تناقض أو ارتباك في هذا النوع  من الخطاب ذي الصبغة «الشعبوية» محضة.
ما هو غير قابل للاستيعاب هو محاولة طمس عدم القدرة على تدبير الشأن العام بمثل هذه الخطابات وتهيئة نفسية المواطن المغربي، ربما، بالنتائج المنتظرة والتي قد تكون غير مطابقة لما تضمنه الخطاب الانتخابي.
ويتم هذا كله في وقت يوليكم فيه عاهل البلاد دستوريا كل الصلاحيات للمعالجة العادلة لكل القضايا التي ترتكب فيها جرائم نهب المال العام وتبذيره. وبمعنى آخر، فكل القضايا التي كان حزبكم ينادي بضرورة معالجتها قضائيا هي الآن في متناولكم وتتطلب منكم إبراز مؤهلاتكم لكونها تندرج ضمن محاربة الفساد وإثبات أسس المسؤولية والمحاسبة. إنه التحدي الأكبر الذي تشرفتم بتدبيره وهو في الوقت نفسه مجال لتطهير المرافق العمومية من لوبيات  ورموز الفساد المالي وسوء التدبير. هذا مع العلم أن المعنى الوحيد الذي يمكن أن يستخلصه المواطن المغربي من تهديداتكم هو عدم استقرار فاعل حكومي في منصب بالغ الحساسية له علاقة بأهم قضية نادى بها الشارع المغربي أي العدالة والمحاسبة. وبالتالي قد يضطر المواطن المغربي للمناداة بتغيير حكومة أولاها ثقته بينما هي تهدد بالاستقالات قبل الشروع في القيام بأي إنجاز يذكر. الأهم يكمن في قلة الكلام وكثرة وجدية العمل والتسريع في إهداء المواطن المغربي ما تم وعده به.
فنجاحكم في هذا الورش هو أولا، تعبير عن الثقة التي وضعها فيكم عاهل البلاد؛ وثانيا، فهو نجاح يعكس تناغم خطابكم الانتخابي مع قدرتكم على الفعل وثالثا قد تتمكنون من برهنة أنه ليس من الصعب الانتقال من المعارضة والانتقاد إلى الممارسة الفعلية والعملية لتجاوز ما تم انتقاده من خلال التعامل الجدي مع ملفات الشأن العمومي. أما رابعا، فنجاحكم في هذه المهمة النبيلة سيمكنكم آنذاك من الحديث عن تحقيق إحدى ركائز كرامة المواطن المغربي لأن باقي الركائز هي ما ينتظر من العمل الحكومي والمعارضة البناءة والايجابية وفقا للتوجيهات الملكية السامية الضامنة للتنزيل الأمثل لدستور 2011.
ليكن في علم معالي وزير العدل والحريات أن كرامة المواطن المغربي ليست رهينة ولا مرتبطة بأي وزير، ولكنها مرتبطة ببيعته للعرش العلوي المجيد الضامن الوحيد لوحدة البلاد وكرامة المواطن المغربي. فالحكومات تتغير ولكن العرش العلوي المجيد باق بموجب البيعة القائمة بين الشعب والملك.
وإذا ادعى أيها وزير بأنه «خاسر ماديا ومعنويا» حين تشرفه وتكليفه بتدبير أي قطاع من قطاعات الاقتصاد الوطني، فمن الأكيد أنه لا يمكننا أن ننتظر منه نتائج إيجابية في القطاع المسنود إليه. وهذه معادلة طبيعية وموضوعية. وبالتالي قد تكون استقالته المبكرة أفضل من انتظار نتائج سلبية وتعليلها حينها بخطابات لا تغني ولا تسمن من جوع. كما أنه لا يجب أن نجعل من الاستقالة من منصب وزاري حدثا استثنائيا بل مبادرة شجاعة واعترافا بكون تدبير الشأن العمومي ليس أمرا هينا. وهذا أمر معمول به وعاد جدا في كل الدول المتقدمة التي يختار فيها بعض الوزراء الاستقالة من مهامهم تبعا لتعثر ما في القطاع الذي يدبرون شأنه. أما التلويح بالاستقالة منذ البداية، فهذا وضع جديد ومثير للغرابة.

بقلم:  د. حبيب عنون: باحث في العلوم الاقتصادية والاجتماعيةّ

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق