ورشات الإصلاح وإعادة التأهيل تشمل "الكورنيش" و"المرسى" والمدينة العتيقة ترتدي الصويرة حلة جديدة. أينما وليت وجهك تصادفك ورشات الإصلاح وإعادة تأهيل العديد من فضاءاتها الشهيرة، من بينها "الكورنيش" والميناء والمدينة القديمة. ورغم الحرص على أن لا تفقد المدينة خصوصياتها، وعلى رأسها بساطتها وطابعها البوهيمي، إلا أن التخوف من أن "تتمركش" أصبح حاضرا لدى العديد من سكانها وعشاقها. "الصباح" زارت المدينة ووقفت على العديد من مظاهر التغيير التي عرفتها في السنوات الأخيرة، وجاءت ب"الربورتاج" التالي: إنجاز: نورا الفواري - (موفدة "الصباح" إلى الصويرة) تعيش الصويرة على إيقاع التغيير. إنه الانطباع الأول الذي يتبادر إلى الزائر بعد سنوات من الغياب. لم تفقد المدينة شيئا من عبقها التاريخي أو روحها "الكناوية" التي تتلبسك منذ مدخلها. ما زالت النوارس تستقبل زوارها، والرياح تحرك "سواكنهم"، لكن موغادور ليست كسابق عهدها وأشياء كثيرة فيها تغيرت. في مثل هذه الفترة من السنة، كانت المدينة تعيش خالية إلا من سكانها، وبعض السياح "الاستثنائيين"، قبل أن تعرف، خلال السنوات الأخيرة، إقبالا أكبر من الزوار، أغلبهم من بلدان أجنبية، وقلة فقط منهم من مدن مغربية. وأنت تتجول في أزقة المدينة القديمة أو ترتشف شايك أو قهوتك بإحدى مقاهي ساحة مولاي الحسن، يلفت نظرك العدد المتزايد للسياح الهائمين على وجوههم في المكان، يحملون حقائبهم على ظهورهم باحثين عن فندق صغير أو رياض يؤويهم، تكشف نظراتهم عن رغبة في الاكتشاف ممزوجة بنوع من الغموض المثير، يجعلهم مثل أطفال مصابين بدهشة البدايات، رغم أن عددا منهم سبق له أن زار المدينة، دون أن يفقد إحساس ومشاعر المرة الأولى. السياحة في ازدهار يقول صاحب "بازار" في المدينة العتيقة، في حديث مع "الصباح": "فعلا، كانت الحركة متوقفة في مثل هذه الفترة من السنة، لكن المدينة بدأت تعرف في السنوات الأخيرة رواجا ملحوظا بسبب تزايد السياح، بعد أن أصبحت الصويرة وجهة مفضلة لدى عدد كبير منهم، وهي السمعة التي اكتسبتها بفضل المهرجانات التي تقام على أرضها، خاصة مهرجان كناوة الذي منحها صيتا عالميا". كلام تؤكده أرقام المديرية الإقليمية للسياحة بالصويرة، التي سجلت في 2017 ارتفاعا بنسبة 12 في المائة في عدد ليالي المبيت بمختلف الفنادق المصنفة بالمدينة، واكبه ارتفاع في عدد السياح الوافدين بنسبة 14 في المائة، أغلبهم من فرنسا وإنجلترا وألمانيا وسويسرا وهولندا وإيطاليا وإسبانيا، إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ويمكن لمس التغيير الذي عرفته المدينة، في العديد من فضاءاتها الجميلة، من بينها "الكورنيش"، الذي استفاد من عملية إعادة تأهيل شاملة، ما زالت ملامحها لم تكتمل بعد، لكنها واضحة من خلال الإنارة العمومية وتبليط الرصيف وتعزيز البنية التحتية السياحية بالعديد من الفضاءات الجديدة المقابلة للشاطئ، من بينها مقاه ومطاعم ومحلات بيع معدات "السورف"، (ركوب الأمواج)، الرياضة الأكثر شهرة في المدينة، والتي تستقطب سياحا من مختلف بلدان العالم لممارستها، سواء بشكل فردي، أو على شكل مجموعات في إطار منافسات ومسابقات دولية يشارك فيها أبطال عالميون. وإضافة إلى "الكورنيش"، تتنتشر ورشات الإصلاح وإعادة التأهيل في العديد من المواقع الإستراتيجية بالصويرة، من بينها الميناء ومداخل المدينة وساحاتها الشهيرة وبعض شوارعها، التي تعرف تهيئة للحدائق والفضاءات الخضراء وتبليطا لممرات الراجلين وانتشارا لحاويات أزبال أكثر احتراما للبيئة، تدفن فيها القاذورات تحت الأرض، إضافة إلى المدينة القديمة، الفضاء التاريخي بامتياز، التي تعرف إعادة ترميم العديد من واجهاتها ومبانيها المهددة بالانهيار وتعزيزا لبنياتها التحتية، مع الحرص على الحفاظ على طابعها المعماري والحضاري، الذي جعل "يونيسكو" تدرجها، في 2001، تراثا إنسانيا عالميا. "الكريب" بدل "المسمن" "نحن سعداء بالتغيير الذي يطرأ على المدينة، والذي سيعود بالخير على سكانها. فكلما زاد عدد السياح، كلما ارتفع الرواج والشغل والنشاط التجاري، خاصة أن المحرك الأول لاقتصاد الصويرة هو السياحة"، يقول أحد أصحاب الرواقات الفنية بالمدينة العتيقة التي تغيرت ملامحها عمّا كانت عليه بالأمس، بعد أن دخلتها مظاهر "التمركش"، سواء من خلال المطاعم العصرية التي فتحت أبوابها أخيرا، والتي لا تشبه المطاعم التقليدية بحصائرها المزركشة وزرابيها المصنوعة باليد وأثاثها المكون أغلبه من العرعار، ومظاهر البساطة التي تتميز بها، أو نوعية الخدمات التي تقترحها بعض المقاهي والمطاعم التي تخلت عن "المسمن" و"البطبوط" و"الطاجين" لتقدم بدلها "الكريب" و"المادلين" و"التورتة" والمطبخ الفرنسي. يعلّق صويري عاش سنوات طويلة في فرنسا قبل أن يعود إلى مدينته حيث يعيش حياة ما بعد التقاعد، قائلا، في حديث مع "الصباح": "أهم ما يميز الصويرة البساطة. وإذا تخلت عنها، فستكون نسخة مشوهة عن مراكش، لأن روح المدينة وتركيبتها مختلفة تماما عن روح مدينة البهجة، ومثلها تقاليد أهلها وعاداتهم. أنا مع التغيير الذي تعيشه المدينة، والذي يمكنها من الاستمرار، لكن شريطة أن يحترم خصوصياتها التي تميزها عن باقي المدن المغربية الأخرى". البوهيمية والبساطة الصويرة مدينة تكره مظاهر التمدن. بناياتها لا يتجاوز علوها ثلاثة طوابق. لا توجد بها عمارات شاهقة أو مركبات تجارية. لا وجود لتشوير في أغلب شوارعها. ويكاد "الفوروج" الوحيد الموجود فيها، هو ذلك الذي يصادف الزائر في مدخلها. لذلك زوارها وسياحها من طينة خاصة، ولا تستقطب عشاق الليل والسهر والصخب. يقول عاشق للمدينة "أغلب من يحب الصويرة بوهيمي ويميل بطبعه إلى البساطة. لذلك يعشقها الأجانب كثيرا، ولا يحبها سكان الداخل. إنها، تاريخيا، ملجأ للهاربين من التمدن وضجيج الحواضر الكبرى، وحتى المشاهير الذين يزورونها، يتجولون فيها براحتهم ولا يمكنهم أن يتعرضوا فيها لمضايقات. أما الباحثون عن سياحة المولات والملاهي الليلية والكباريهات، فلن يجدوا المدينة على هواهم". المدينة "الكناوية" الصويرة مدينة "كناوية" بامتياز. تنام وتستيقظ كل يوم على صوت "القراقب" و"الهجهوج"، بمهرجان أو بدونه. تحتضن زاوية "سيدي بلال"، الأب الروحي ل"كناوة"، ويقام على أرضها، كل سنة، موسم الطائفة "الكناوية" التي انتقلت موسيقاها من المحلية إلى العالمية، مع ولادة مهرجان "كناوة، موسيقى العالم"، الذي يدين بوجوده أولا للمستشار الملكي أندري أزولاي، وهو المهرجان الذي كان له الفضل في منح المدينة إشعاعها العالمي والترويج لها باعتبارها وجهة سياحية متميزة، كما كان له الفضل في إعادة الاعتبار إلى "المعلمية" الذين طالهم التهميش والنسيان، رغم أنهم يقدمون فنا قائما بذاته لا يقل شأنا عن بقية الفنون التراثية التي يفخر بها المغاربة، وصنع من بعضهم نجوما مثل حميد القصري ومحمود غينيا ومصطفى باقبو وعبد السلام عليكان وغيرهم. عاصمة الإبداع استقطبت الصويرة عددا مهما من المشاهير الذين وجدوا فيها فضاء ملهما لإبداعاتهم، من بينهم المخرج الأمريكي الكبير أورسن ويلز، الذي أقام فيها لمدة شهور، وصوّر فيها فيلمه "أوتيلو" الذي نال عنه السعفة الذهبية بمهرجان كان في 1953، وما يزال فندق "ليزيل" بالمدينة شاهدا على مروره، إضافة إلى جيمي هندريكس، المغني والعازف الأمريكي من أصل إفريقي، الذي كان يفضل الإقامة بمنطقة "الديابات"، مثلما يردد الكثير من الصويريين الذين عايشوا فترة نهاية الستينات. هناك أيضا الكاتب الأمريكي إرنست همنغواي الذي قضى فيها فترة استجمام والمغني البريطاني كات ستيفنس والروائي الأمريكي تينيسي ويليامز. كما أنجبت الصويرة العديد من الفنانين المغاربة الذين تركوا بصمتهم على عالم الفن والإبداع، على رأسهم رجل المسرح الراحل الطيب الصديقي، و"لمعلم" الكناوي عبد الرحمان قيروش، المعروف ب"باكو"، عضو مجموعة "ناس الغيوان" الأسطورية، وعبد الرحيم الصويري، نجم موسيقى الآلة والغناء الأندلسي وعزيز الضيفي، الممثل ومقدم نشرة الطقس الشهير على القناة الثانية، والمطربة المغربية سعاد محمد، والفنان التشكيلي بوجمعة لخضر والرسامة بنحيلة الركراكية والتشكيلي محمد الطبال. موكادور اليهودية عرفت الصويرة، باستقطابها أكبر عدد من اليهود الذين كانوا يشكلون أكثر من نصف سكانها خلال القرنين 18 و19 الميلاديين، قبل أن يتناقص عددهم على مر السنوات بسبب الهجرة، إلى أن ظل منهم عدد قليل يعد على أصابع اليد الواحدة، رغم أن أعدادا كبيرة منهم تحج إلى "موكادور"، من إسرائيل ومن مختلف أنحاء العالم، على مدار السنة. لذلك، وضعت سلطات المدينة نصب اهتمامها إعادة الاعتبار لأماكن العبادة اليهودية، لتعيد تأهيلها ضمن أوراش الإصلاح والترميم التي فتحتها في سائر أنحاء الصويرة، ومنها فتح كنيس "صلاة الكيحل"، وكنيس "سيمون عطية" الذي سيفتتح قريبا، ويحتضن مركز الأبحاث "حاييم زفراني"، إضافة إلى "بيت الذاكرة"، وذلك بفضل تدخل عدة فاعلين وانخراط مجموعة من المؤسسات، من بينها وزارات الداخلية والثقافة والأوقاف والشؤون الإسلامية والسكنى وسياسة المدينة، إضافة إلى المجلس البلدي ومجلس جهة مراكش آسفي. ومن بين الأوراش الكبرى المفتوحة، إعادة تأهيل حي "الملاح"، أكبر التجمعات السكنية التي كانت تحتضن يهود المدينة، بعد أن واجه تغيرات المناخ التي غيرت الكثير من ملامحه.