fbpx
حوادث

المفوض القضائي بين الإقصاء وتجميد الحوار

الإصلاح القضائي يتطلب إشراك جميع الفاعلين العداليين و مطالب المفوضين لا تقبل القسمة

إن إصلاح منظومة التبليغ والتنفيذ رهان الجميع، ولا يمكن إصلاحها وتحديثها بعيدا عن الرقي بالمفوضين القضائيين، وذلك بالرفع من المستوى العلمي المطلوب لولوج المهنة وضمان تكوين حديث يتلاءم مع المناهج العلمية المتطورة، والالتزام بثوابت مهنتهم

وقيمهم الأصلية، وقد حان الوقت وبإلحاح للوقوف على المشاكل التي يتخبطون فيها،  سواء المرتبطة بالتشريع أو الممارسة اليومية، منها ازدواجية الجهاز المكلف بالتبليغ والتنفيذ بين المفوضين القضائيين وأعوان المحكمة

إن تعدد الجهات المتدخلة كأعوان السلطة والجمارك والضرائب وأعوان الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وتعامل بعض المسؤولين القضائيين بمزاجية مع القانون المنظم للمهنة دون احترام الاختصاصات المخولة بمقتضى المادة 15 من القانون رقم 81/03، بالإضافة إلى التعليمات الشفوية الصادرة تارة عن القاضي المكلف بإجراءات التنفيذ أو النيابة العامة، مع عدم توحيد التعامل في مادة التنفيذ، وعدم حماية المفوضين القضائيين، وامتناع بعض المؤسسات العمومية عن التنفيذ، ناهيكم عن تعقيد المساطر والشكليات التي تستلزم التدبير الجيد لمؤسسة المفوضين القضائيين … والأزمة التي يجتازونها والتي تختزل المشاكل المهنية في انعدام الآليات والموارد المالية للهيأة الوطنية قصد القيام بالتخليق ودور المراقبة والتأديب، وضبط مكاتب المفوضين القضائيين قصد توفير الضمانات اللازمة لحفظ الوثائق والودائع والحفاظ على السر المهني، فمن جهة تتخذ وزارة العدل أذنا من طين وأخرى من عجين، ومن جهة أخرى فساد تسيير رئيس الهيأة الوطنية للمفوضين القضائيين بالمغرب وتهميش أعضاء المكتب التنفيذي إلا فئة  قليلة تزكي الولاء وتغض الطرف عن المناورات واللامبالاة .
فبعد الإضرابات التي شهدتها مؤسسة المفوض القضائي خلال شهر مارس الماضي، من أجل صيانة الحقوق وتقوية مناخ الثقة كقاطرة للتنمية والحداثة، والتي فضحت من مع المطالب المشروعة ومن ضد إرادة المفوضين القضائيين في الإصلاح، إذ أبانت بالواضح محاولة تكسير الإضراب من طرف رئيس الهيأة الوطنية الذي ظل يشتغل طيلة مدة الإضراب، بل عمد إلى تمديده من خلال كتمانه لرغبة وزارة العدل في الجلوس على طاولة الحوار بعد الوقفة الاحتجاجية ليوم 18 مارس، وتأزيم الوضع مما جعل الإضراب والوقفة الاحتجاجية إكراها للمفوضين القضائيين ليس بمحض اختيارهم، لأنهم لم يكونوا يسعون إلى عرقلة مرفق القضاء وحسن سير العدالة، وأبانت في الوقت نفسه أن طلب وزارة العدل الجلوس إلى طاولة الحوار بتاريخ 31 مارس مجرد ورقة إعلامية هرول لها المكتب التنفيذي للمفوضين القضائيين عن حسن نية لإعداد ملفهم المطلبي، وعمل شرفاء هذه المهنة على ضرورة تفويت الفرصة على الحاقدين الذين أرادوا إشعال الفتنة وبث الضغائن لأنهم يكبرون بالفتن وتصعيد الخلافات، وإضعاف جسور الثقة بين المفوضين القضائيين .
وقد كانت عدة سوابق للوزارة في تعثر الحوار، ضاربة بوعودها عرض الحائط، وتكررت الدعوات عند كل أزمة، غير أنها بمجرد ما تبدأ تفشل بسبب المانعين وذوي النيات السيئة دون حصول حوار حقيقي، ونعتبر ذلك تراجعا عن المكانة التي أصبحت تلعبها مهنة المفوضين القضائيين باعتبارها مكونا أساسيا للمنظومة القضائية .
وبخط متواز يزداد تعالي وزارة العدل وعنادها ورفضها الجلوس على طاولة الحوار بمسؤولية ونية حسنة إلى غاية 27/10/2010، خصوصا بعد علمها بعدم استجابة رئيس الهيأة « سيدي عبد العزيز» لدعواتها للجلوس على طاولة الحوار قبل هذا التاريخ، وتجميد الحوار لمدة تزيد عن ستة أشهر، مرة بحجة شهر رمضان «والناس صيام» ومرة أخرى بحجة العطلة القضائية، وثالثة بحجة عدم اجتماع أعضاء المكتب التنفيذي، واختار أن يقصي نفسه بإرادة مجموعة من الأشخاص من المكتب يفضلون المصلحة الشخصية وتصفية الحسابات على المهنة .
فحينما نمارس الحوار في تصحيح الأخطاء قصد التوجيه، بعيدا عن الأوامر أو النهي أو الزجر أو الأمر الواقع فإننا نشجب هذا الإقصاء الموجه إلى المفوضين القضائيين، ونتمسك بحقنا في التعبير عن آرائنا التي نعتز بها، ونعتبر مطالب المفوضين القضائيين لا تقبل القسمة حتى على نفسها .
ويحق لنا أن نتساءل كيف سيكون مشروع الإصلاح القضائي في ظل الإقصاء الممارس على مؤسسة المفوضين القضائيين الذين ينتظر منهم الانخراط في هذا المشروع وتفعيله، فالإصلاح القضائي الذي نادى به جلالة الملك هو رهان جميع الفعاليات، ويتطلب بالضرورة إشراك جميع الفاعلين في حقل العدالة، ولعل التاريخ يشهد أنه منذ عشرين سنة تاريخ ميلاد مهنة المفوضين القضائيين ركبنا رهان التنمية والتحديث، غير أننا ماازلنا ندور في الحلقة نفسها بسبب انعدام النيات الحسنة في الإصلاح الجدي، وتجذر فكر المؤامرة على المهنة، وتغييب الهيأة الوطنية للمفوضين القضائيين في كل ما يخص المهنة رغم تشدق وزارة العدل بانفتاحها على كل الفاعلين، فلمصلحة من هذه المشاريع؟ ولمصلحة من هذا الإقصاء؟
إن هذا الإقصاء سيولد بلا شك مشاكل عدة، خصوصا أن المفوضين القضائيين ذاكرتهم قوية، فحذاري من غضبهم وسخطهم، لأنهم عازمون على خوض جميع أشكال النضال، لذلك وجب تدخل وزير العدل شخصيا لتصحيح مسار مشاريع القوانين المذكورة، وتصحيح هذه الوضعية الشاذة التي تخالف التوجهات الملكية السامية في تطبيق المنهجية التشاورية والتشاركية الموسعة في بناء دولة الحق والقانون، باعتبارنا شركاء في نسيج العدالة، بدل خدمة فئة على حساب فئة أخرى، ونأمل العودة إلى الحوار بتجرد وجدية، وخلق أرضية مبنية على حسن النية في الإصلاح، فهل توجد النية الصادقة لوزارة العدل والقدرة على إرجاع الأمور إلى نصابها وإصلاح :
أولا: الأخطاء الواردة بمشروع قانون المسطرة المدنية التي أسندت جهة التنفيذ « لقاضي التنفيذ» وخلقت مشكلا إضافيا لمساوئ هذا المشروع الذي أعطى جميع الصلاحيات لقاضي التنفيذ في اتخاذ إجراءات الإعلان والإشهار وتحديد موعد إجراء البيع بالمزاد العلني الذي يتم بحضوره، والمصادقة عليه، إلى غير ذلك من الإجراءات … ؟ رغم أننا كنا سباقين إلى المطالبة بإحداث مؤسسة قاضي التنفيذ لتكون رابطة تشريعية واضحة مع المفوضين القضائيين في ما يخص الفصل في المنازعات والبت في الصعوبات الوقتية والموضوعية.
ثانيا: إعادة النظر في مشروع المساعدة القضائية الذي تفننت وزارة العدل في توسيعه مخلفا أضرارا  للمفوضين القضائيين من خلال التنصيص على أكثر من 12 حالة مشمولة بالمساعدة القضائية بقوة القانون دون الدفع المسبق  من طرف الخزينة لأجورهم التي تعتبر صائرا قضائيا، ومنها قضايا نزاعات وحوادث الشغل والأمراض المهنية والإيراد التكميلي والنفقة والحضانة والكفالة والحالة المدنية وثبوت الزوجية والقضايا التي ترفعها النساء المطلقات والمهجورات وضحايا العنف، وقضايا القاصرين والمحاجير والأشخاص المعاقين والمهاجرين وطالبي اللجوء، وقضايا إلغاء المقررات الإدارية لتجاوز السلطة والطعون الانتخابية وقضايا ضحايا الإرهاب بالإضافة إلى الحالات الأخرى المنصوص عليها في نصوص خاصة، وكذا القضايا المدنية والعقارية بعد موافقة اللجان المختصة .
ثالثا: مراجعة مشروع الأجور التي تعتبر الأقل والأضعف من نوعها، وتأتي في المرتبة الأخيرة ضمن 84 دولة عضو بالاتحاد الدولي للمفوضين القضائيين، حيت انعكس الوضع المادي المزري على الوضعية الاجتماعية للمفوضين القضائيين بغض النظر عن العمل المجاني المستمر الذي يقومون به بشكل يومي من خلال إعادة الاستدعاءات والمحاضر الإخبارية والحالات الاجتماعية التي يتم التنسيق بشأنها مع بعض المسؤولين القضائيين، فضلا عن قضايا المساعدة القضائية، ومنحة تبليغ الإجراءات الجنحية التي عادة ما تتقادم في دواليب وزارة العدل عن قصد وإهمال، رغم هزالتها وتبخيسها لمجهودات المفوضين القضائيين والتي تصل إلى 3 دراهم، مما أثر سلبا على عملية الاندماج في توفير وسائل العمل وتنظيم المكاتب وتجهيزها .  
فحينما يتحرك وجدان المفوضين القضائيين لا يمكنه أن يتراجع أو يوقف إلا أن يدمر أو يدمر، وشعار «نكون أو لا نكون» الذي رفعه المفوضون القضائيون خلال الإضراب الأخير خير دليل على ذلك، وحينما يطلب منهم الدفاع عن مصالحهم ينطلقون ولا يحتاجون لمن يعطيهم درسا في الإنشاء أو قصيدة بلاغية، لأننا نرفع راية الحق ونفضل التضحية وفضح المتلاعبين عن الشرح والتأويل.
ومع هذا وذاك ضاعت مصالح المفوضين القضائيين نتيجة ضعف المكتب التنفيذي الذي انحاز إلى تحالفات غير مفهومة، ويحق لنا أن نفضح الخروقات والتهميش بكل جدية والمتسبب فيها، وهذا من شأنه أن يساهم في تكريس ثقافة تخليق الحياة المهنية، وإعادة الثقة إلى المفوضين القضائيين في الحوار مع وزارة العدل والقائمين عليها، فليس من الحكمة ونحن على درب الإصلاح أن نكتم الحقيقة مهما بلغت قسوتها، ويحق للجميع أيضا أن يتساءل هل نجحت الهيأة في الوصول إلى الأهداف المنشودة ؟ وما هي القيمة المضافة للهيأة في تنظيم المهنة وإحداث مجالس جهوية ؟ وعن سبب تغييب الملف المطلبي وعدم الاستجابة له والمتمثل أساسا في مشاريع القوانين الخاصة بالمسطرة المدنية والمساعدة القضائية والأجور، والإبقاء على التشوهات المذكورة أعلاه بهذه المشاريع، على اعتبار أن مراجعة المنظومة القانونية من مستلزمات الإصلاح الشامل بما ينسجم وقواعد العدالة بالدول الديمقراطية ، فهي ذاتها المطالب كل مرة التي لم تجد آذانا مصغية لوزارة العدل، إذ قوبلت بالتسويف تارة والتجاهل المتعمد تارة أخرى، واليوم نشعر باليأس لما أنتجته وزارة العدل والإحباط من طرف الذين باعوا القضية، وبلغنا التذمر والحسرة لانعدام رؤى واضحة من أجل السير بمؤسسة المفوضين القضائيين إلى طريق النجاة والرقي والازدهار، ومنافستها لمثيلاتها من المؤسسات الأخرى .

سعيد بورمان: رئيس المجلس الجهوي للمفوضين القضائيين بمحكمة الاستئناف بالدارالبيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق