الصباح الـتـربـوي

مدرستي الحلـــــوة: المسيد الذي أرعبني دخلته من أجل “مظلة”

ذكريات كثيرة مرتبطة بعالم الطفولة. ذكريات قد تكون جميلة، وأخرى يمكن أن نجملها ونضع عليها مساحيق التجميل، حتى نتذكرها جميلة بعد مرور 20 أو 30  سنة على وقوعها. ذكريات قالت عنها، أحلام مستغانمي، الكاتبة والشاعرة الجزائرية، إنها في أول فرصة تعود وتطفو على واجهة قلبنا، نحتفي بها كضيف افتقدناه منذ زمن بعيد، ومر يسلم علينا ويواصل طريقه، الذكريات عابر سبيل، لا يمكن استبقاؤها مهما أغريناه بالإقامة بيننا.
من الصور الجميلة التي أصبحت ذكريات نعود إليها في كل مرة أعلنت طاقتنا  عن قرب نفاد مخزونها، قصص في المرحلة الدراسية، تفاصيلها تبقى راسخة لا تمحوها مشاكل المراهقة، ولا نضج مرحلة الرشد، ولا حتى تخاريف الشـــــيخوخة.
من بين تلك القصص، واحدة ظلت راسخة بمخيلتي، وتتحول إلى سبب للضحك والخروج من حالة الحزن. أحداثها وقعت بحي الفرح، أحد الأحياء الشعبية بالدار البيضاء. وتفاصيلها تتلخص في أن الالتحاق بالمسيد أو كما يلقبونه سكان المنطقة بـ”الجامع”، قبل ولوح قسم الحضانة والمدرسة الابتدائية، كان من الضروريات. لكن المرور بجانب ذلك “الكراج” الصغير الذي أثثه، حينها، أطفال لا تتجاوز أعمارهم 5 سنوات، وفقيه مسن، “جلابيته” الرمادية، كانت تشي بوضعيته الاجتماعية، ومدى حاجته لمساعدة سكان المنطقة، إضافة إلى تلك الأصوات التي كانت تصدر من داخله، توقظ مشاعر الخوف والرعب التي حاولت إغراءات والدتي محوها، إذ كانت تغيرها بأخرى تبث في الشجاعة، إلا أنها عرفت الفشل، في كل مرة. فكيف كان من الممكن أن أظل بذلك المكان، أزيد من 5 ساعات متواصلة؟
رغم الحرب التي شننتها، مستغلة سلاح “البكاء” الذي لم أكن أملك غيره. استسلمت ودخلت “المسيد”، شرط أن أملك “مظلة” خاصة بالأطفال !!! إذ كانت من بين أحلام طفولتي.
خلال اليوم الأول اكتشفت تفاصيل “البعبع” الذي كان بطل كوابيسي الليلية. اكتشف أن الذي أرعبني بمجرد ما كنت أمر بمحاذاته، يحتوي فقط على سجاد من البلاستيك أزرق اللون، وآخر من الصوف، أكله الدهر وغير لونه الطبيعي، كان خاصا بالفقيه، لا يمكن للأطفال أن يجلسوا عليه، أو حتى التقرب منه. كما تضمن المكان ذاته، ألواحا خشبية كتبت عليها آيات قرآنية بالحبر الأسد موضوعة بإحدى الزوايا، ورفا وضعت به نسخ عديدة للقرآن أغلفته مختلفة، بالإضافة إلى كؤوس من البلاستيك.
لم يكن بالمسيد، شيء يثير الخوف. الأمر طبيعي جدا، إذ خلال اليوم الأول الذي ولجت فيه المكان، تلاشت مشاعر الخوف وحلت مكانها أخرى. شعرت بدهشة كبيرة، كما تساءلت عن سبب خوفي “المبالغ” من هذا المكان، لكن تلك الأسئلة، لم أجد لها الأجوبة. ولكي أخرج من الدوامة، غفوت وحلمت أنني في بيتي بين لعبي المفضلة. وفي ثاني يوم، الذي اكتشفت فيه أن راحة المكان غريبة، باعتبار أنني وصلت متأخرة بعد أن دخل الجميع “احتلوا” أماكنهم،  حلمت أنني أطارد حمام “العمالة”. وفي اليوم الثالث، راودني كابوس، أيقظني من نومي العميق، لأجد نفسي مازالت بالمسيد، أنتظر والدتي التي ستصطحبني إلى بيتنا. لم أكن أقوم بشيء بعد أن أدخل المكان، سوى مراقبة الآخرين، والنوم على إيقاع تلاوة آيات من القرآن الكريم. كان الوضع غير الذي توقعته. كان الفقيه لطيفا، ولم يحاول قط  إيقاظي من نومي، رغم أن أطفالا آخرين كانت عصاه تصل إلى أذرعهم الصغيرة، فقط لأنهم يحاولون التحرك من أماكنهم. 3 أيام في المسيد، كانت فرصة لأخذ أكبر قسط من النوم.
إيمان رضيف

ذكريات كثيرة مرتبطة بعالم الطفولة. ذكريات قد تكون جميلة، وأخرى يمكن أن نجملها ونضع عليها مساحيق التجميل، حتى نتذكرها جميلة بعد مرور 20 أو 30  سنة على وقوعها. ذكريات قالت عنها، أحلام مستغانمي، الكاتبة والشاعرة الجزائرية، إنها في أول فرصة تعود وتطفو على واجهة قلبنا، نحتفي بها كضيف

 افتقدناه منذ زمن بعيد، ومر يسلم علينا ويواصل طريقه، الذكريات عابر سبيل، لا يمكن استبقاؤها مهما أغريناه بالإقامة بيننا. من الصور الجميلة التي أصبحت ذكريات نعود إليها في كل مرة أعلنت طاقتنا  عن قرب نفاد مخزونها، قصص في المرحلة الدراسية، تفاصيلها تبقى راسخة لا تمحوها مشاكل المراهقة، ولا نضج مرحلة الرشد، ولا حتى تخاريف الشـــــيخوخة.من بين تلك القصص، واحدة ظلت راسخة بمخيلتي، وتتحول إلى سبب للضحك والخروج من حالة الحزن. أحداثها وقعت بحي الفرح، أحد الأحياء الشعبية بالدار البيضاء. وتفاصيلها تتلخص في أن الالتحاق بالمسيد أو كما يلقبونه سكان المنطقة بـ”الجامع”، قبل ولوح قسم الحضانة والمدرسة الابتدائية، كان من الضروريات. لكن المرور بجانب ذلك “الكراج” الصغير الذي أثثه، حينها، أطفال لا تتجاوز أعمارهم 5 سنوات، وفقيه مسن، “جلابيته” الرمادية، كانت تشي بوضعيته الاجتماعية، ومدى حاجته لمساعدة سكان المنطقة، إضافة إلى تلك الأصوات التي كانت تصدر من داخله، توقظ مشاعر الخوف والرعب التي حاولت إغراءات والدتي محوها، إذ كانت تغيرها بأخرى تبث في الشجاعة، إلا أنها عرفت الفشل، في كل مرة. فكيف كان من الممكن أن أظل بذلك المكان، أزيد من 5 ساعات متواصلة؟رغم الحرب التي شننتها، مستغلة سلاح “البكاء” الذي لم أكن أملك غيره. استسلمت ودخلت “المسيد”، شرط أن أملك “مظلة” خاصة بالأطفال !!! إذ كانت من بين أحلام طفولتي.خلال اليوم الأول اكتشفت تفاصيل “البعبع” الذي كان بطل كوابيسي الليلية. اكتشف أن الذي أرعبني بمجرد ما كنت أمر بمحاذاته، يحتوي فقط على سجاد من البلاستيك أزرق اللون، وآخر من الصوف، أكله الدهر وغير لونه الطبيعي، كان خاصا بالفقيه، لا يمكن للأطفال أن يجلسوا عليه، أو حتى التقرب منه. كما تضمن المكان ذاته، ألواحا خشبية كتبت عليها آيات قرآنية بالحبر الأسد موضوعة بإحدى الزوايا، ورفا وضعت به نسخ عديدة للقرآن أغلفته مختلفة، بالإضافة إلى كؤوس من البلاستيك.لم يكن بالمسيد، شيء يثير الخوف. الأمر طبيعي جدا، إذ خلال اليوم الأول الذي ولجت فيه المكان، تلاشت مشاعر الخوف وحلت مكانها أخرى. شعرت بدهشة كبيرة، كما تساءلت عن سبب خوفي “المبالغ” من هذا المكان، لكن تلك الأسئلة، لم أجد لها الأجوبة. ولكي أخرج من الدوامة، غفوت وحلمت أنني في بيتي بين لعبي المفضلة. وفي ثاني يوم، الذي اكتشفت فيه أن راحة المكان غريبة، باعتبار أنني وصلت متأخرة بعد أن دخل الجميع “احتلوا” أماكنهم،  حلمت أنني أطارد حمام “العمالة”. وفي اليوم الثالث، راودني كابوس، أيقظني من نومي العميق، لأجد نفسي مازالت بالمسيد، أنتظر والدتي التي ستصطحبني إلى بيتنا. لم أكن أقوم بشيء بعد أن أدخل المكان، سوى مراقبة الآخرين، والنوم على إيقاع تلاوة آيات من القرآن الكريم. كان الوضع غير الذي توقعته. كان الفقيه لطيفا، ولم يحاول قط  إيقاظي من نومي، رغم أن أطفالا آخرين كانت عصاه تصل إلى أذرعهم الصغيرة، فقط لأنهم يحاولون التحرك من أماكنهم. 3 أيام في المسيد، كانت فرصة لأخذ أكبر قسط من النوم.

 

إيمان رضيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق