شباب مبدعون ينشطون ساحات بالبيضاء ويرفضون وصفهم بالمتسولين فسحة فنية في فضاء مفتوح، وعروض إبداعية مختلفة بدون مقابل مادي، فرصة لن تحظى بها سوى في ساحة الأمم المتحدة بالبيضاء. شباب يعبرون عن مواهبهم أمام المارة، لكنهم يشتكون من وصفهم بالمتسولين، ومن مضايقات السلطات، ويطالبون بالتفاتة المسؤولين وتوفير الحد الأدنى من شروط الممارسة وظروف السلامة. بعد أن كانت فضاء يعج بالمتسولين ومستعملي المخدرات، أضحت ساحة الأمم المتحدة مساحة للمبدعين والفنانين، شباب يعزفون على آلات موسيقية وآخرون يقدمون عروض السرك والرقص، ومواطنون بالعشرات يتحلقون حولهم، ويستمتعون بلوحات إبداعية غير مجبرين على أداء مقابل مادي. فباعتبارها القلب النابض للبيضاء، فإن الساحة يعبرها يوميا آلاف المارة، يقف جزء منهم للاستمتاع بالموسيقى ومشاهدة العروض. لسنا متسولين يجمع هؤلاء الشباب على أن أكثر شيء يقض مضجعهم هو وصفهم بالمتسولين. يقول وليد، عازف إيقاع "كيقولوعلينا طلابة"، ويوضح الشاب البالغ 21 سنة، أن عددا من الأشخاص لا يدركون معنى موسيقى الشارع، ويعتبرون من يعزف أو يغني أنه يسترزق. يضيف المتحدث ذاته في تصريح لـ "الصباح"، "يجهل البعض أن أغلبنا يزاول عملا معينا وأننا نتخذ الموسيقى هواية فقط". وبين الجمهور من يقدم قسطا من المال ترجمة لإعجابه بما يقدم من عروض، إلا أنه لا يرقى إلى مستوى يعول عليه لتسديد حاجيات هؤلاء الشباب، خصوصا أن أغلبهم ينشطون داخل مجموعات تضم عنصرين أو ثلاثة أو تتجاوز ذلك. يقف بجانب وليد الذي يعزف على آلة الإيقاع شابان معه في المجموعة، أحدهما يعزف على قيثارة بينما الآخر يحمل "ميكروفون" بين يديه ويطلق العنان لصوته وهو يردد أغاني الراي، في مشهد فرجوي تظهر فيه علامات البهجة على الجماهير التي تحلقت حولهم على شكل دائرة، بينما بعض الأطفال في الوسط يحركون أجسادهم على إيقاعات الموسيقى والأعين تترقبهم في جو من المتعة والانشراح. في الجهة المقابلة من الساحة، عازف يحمل قيثارة يوشك أن يبدأ عرضه، ثبت الميكروفون وربطه بمكبر الصوت، وأخذ يداعب أوتار قيثارته ويحاول ضبط الصوت بتحريكه بعض الأزرار. العازف يدعى رشيد، ويبلغ عمره 58 سنة، وحيدا بين الطاقات الشابة، يقول لـ "الصباح"، "جربت العزف والغناء في شوارع البيضاء في الثمانينات ومنعتني السلطات واليوم أشارك الشباب لأعود بالزمن إلى الماضي"، وأضاف "عملت لأزيد من 30 سنة في الفنادق والكازينوهات والكباريهات واليوم أعود إلى الشارع". رشيد الذي يضع طربوشا أحمر فوق رأسه وقد اشتعلت لحيته شيبا، يرى أن ثقافة موسيقى الشارع وصلت متأخرة إلى المغرب، إذ كان يعزف على الهارمونيكا في شوارع باريس قبل عقود، لكن ما لا يتقبله رشيد أن بعض الأشخاص يظنونه يقوم بـ"الحلقة"ويطلب الصدقة، يقول بنبرة منفعلة "لي بغا يعطي الصدقة يمشي قدام الجامع"، ويوضح المتحدث ذاته، أنه دائما يحذر جمهوره من اعتباره محروما أو متسولا، بل من أراد منحه المال فليكن من باب الأداء على ما يقدمه من فن وموسيقى. مخاوف من التمييع بعد سنوات من العمل على إرساء ثقافة موسيقى الشارع لدى السكان، بدأ التخوف ينتاب هؤلاء الفنانين بسبب بعض المتطفلين، الذين يسيرون نحو تمييع الفن والإبداع، إذ أصبحت الساحة تستقبل حسب رشيد "العونيات" و"الدقايقية" و"الحليقية"، مظاهر قد تحرف المعنى الحقيقي لموسيقى الشارع. التهديد الحقيقي الذي يؤرق بال فناني ساحة الأمم المتحدة هو "الفراشة"، إذ أصبح الصراع أحيانا على الأماكن، وبعضهم يستعمل مكبرات الصوت للترويج لبضائعه، ما أضحى يطرح تحديا صعبا في وجه الشباب للاشتغال في مثل هذه الظروف. يقول مروان، وهو لاعب سيرك، اعتاد تقديم عروضه بالساحة منذ ثلاث سنوات رفقة زوجته، إن هذه المظاهر تهدد استمرارية الفن والإبداع بالساحة. مروان يطالب المسؤولين بالتدخل لتنظيم عمل المبدعين، يقول "نجد أحيانا مشاكل بيننا بسبب الأماكن"، ويضيف "مبغيناش الفلوس بغينا غير الدعم المعنوي ويحسو بينا"، كما يطالب بتوفير شروط السلامة الصحية، خصوصا أن العروض التي يقدمها محفوفة بالمخاطر، ففي أي وقت يمكن أن يتعرض لكسر أو يصاب بحروق بسبب طريقة تنشيطه. المتحدث ذاته يؤكد لـ "الصباح"، أن ما يجمعه من مال بالكاد يكفيه لاقتناء المعدات، ويغطي جزءا من مصاريف التنقل، لأنه يتابع دراسته بالجامعة، غير أنه يضطر أحيانا للمجيء إلى الساحة ولقاء معجبيه عوض حضور دروسه، لأن إعجاب الناس بمواهبه يغمره بالسعادة، ويدفعه لبذل المزيد من الجهد رغم محدودية الفائدة المادية. آمال مع وقف التنفيذ يعلق الفنانون الشباب آمالهم على المستقبل، لعل القادم من السنين كفيل بتحقيق أحلامهم، ففي وقت يكابدون فيه لتوفير بعض المعدات، من مكبرات صوت وآلات موسيقية بهدف نشر الفن والثقافة في الفضاء العام، يواجهون أحيانا مشاكل مع السلطات، فقبل شهور من الآن تم منعهم من مزاولة أي نشاط وسط الساحة، واعتقل بعضهم، بينما منهم من قضى ليالي داخل مخفر الشرطة، بسبب أنه يغني أو يرقص أو يؤدي نشاطا ثقافيا، وأحيانا تحجز السلطات معداتهم. وتواجه السلطات هؤلاء الشباب بعدم توفرهم على رخص للقيام بأنشطتهم بالفضاء العام، لكن عادل السعيدي رئيس "جمعية جذور"، يستغرب لهذه الذريعة، يقول لـ "الصباح" "هناك فرق بين شاب يغني في الفضاء العام وبين من يريد القيام بنشاط سياسي أو مظاهرة"، مضيفا "من العيب طرد هؤلاء الشباب من الفضاء العام وتجريدهم من معداتهم، ومطالبتهم برخص". وأطلقت "جمعية جذور" قبل أشهر عريضة وطنية، ما زالت إلى اليوم تجمع توقيعات المواطنين بغرض تقديمها للحكومة، قصد إلغاء القرار الذي يحتم على نشطاء موسيقى الشارع الحصول على رخص. وتقترب الجمعية من 2000 توقيع إلى حدود الساعة حسب عادل السعيدي، في انتظار 5000 توقيع، المحدد لأي جماعة من المواطنين رغبت في إلغاء أحد القوانين. عصام الناصيري