المحكمة المختصة بالنظر في دعوى التعويض إذا كان الالتزام الرئيسي الملقى على عاتق المسافر هو أداء ثمن النقل، فإن الناقل يتحمل عدة التزامات، من بينها على الخصوص الالتزام بضمان سلامة المسافر وسلامة أمتعته وإيصاله إلى المكان وفي الوقت المتفق عليهما تحت طائلة إثارة مسؤوليته المدنية في حالة إخلاله بهذه الالتزامات. وتثير هذه المسؤولية جملة من التساؤلات، من بينها التساؤل حول طبيعتها القانونية ثم الأساس الذي تقوم عليه وحالاتها والوقت الذي تبتدئ وتنتهي فيه وما هي الإمكانات المتاحة أمام الناقل للتحلل منها، بالإضافة إلى الإجراءات الواجب اتباعها لتفعيل دعوى المسؤولية. أـ القوة القاهرة: تعتبر القاهرة سببا قانونيا تمكن الناقل من الإفلات من المسؤولية، وقد حدد المشرع مفهوم القوة القاهرة في الفصل 269 من قانون الالتزامات والعقود الذي جاء فيه: «كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه كالظواهر الطبيعية (الفيضانات والجفاف والعواصف والحرائق والجراد)، وغارات العدو، وفعل السلطة، ويكون من شأنه أن يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا».فانطلاقا من هذا الفصل يتضح أن الواقعة حتى تكتسي صبغة القوة القاهرة يجب أن تكون غير متوقعة، وأن يكون الناقل غير قادر على دفعها، وأن تجعل الواقعة تنفيذ الالتزام مستحيلا.والملاحظ في هذا الإطار أن المشرع المغربي لما أتى في الفصل المذكور ببعض صور القوة القاهرة فإنه أوردها على سبيل المثال لا الحصر بدليل أنه استعمل حرف الكاف عند قوله كالظواهر الطبيعية.واستقر الاجتهاد القضائي على أن تقدير توفر هذه الشروط يدخل في صميم السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع متى كان سائغا، كما أن تقدير هذه الشروط يجب أن يكون بحسب ظروف ووقائع كل حالة على حدة، ولذلك فإن الأمور التي تخضع للسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع لا تخضع لرقابة المجلس الأعلى إلا من حيث التعليل.وهكذا فالحريق اعتبره المشرع قوة قاهرة، إلا أن القول بذلك يجب أن يقدر بحسب الظروف فهو لا يعد كذلك إذا كان من داخل وسيلة النقل وناتجا عن إهمال في صيانة وإصلاح هذه الأخيرة، كذلك الفيضانات هي من الأمور المتوقعة في فصل الشتاء في ظل التطور التقني والتقدم التكنولوجي الذي أصبح يسمح في الوقت الراهن برصد جميع الظواهر والعواصف الجوية، ما باتت معه إمكانية توقع هذه الأخيرة أمرا متاحا، الشيء الذي ينفي عنها طابع القوة القاهرة، وهو ما أكده القضاء المغربي وإن كان في مادة النقل البحري فإن هذا لا يمنع من إسقاطه على باقي أشكال النقل الأخرى، وهكذا ورد في قرار محكمة الاستئناف بالدار البيضاء: «... حيث يدفع الناقل البحري بالقوة القاهرة وبالتالي انعدام مسؤوليته نظرا لقوة العاصفة التي تعرضت لها الباخرة خلال السفرة البحرية التي تمت خلال شهر فبراير 1978، غير أنه كان على الربان أن يتوقع حدوث مثل هذه العاصفة في هاته الآونة واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتلافيها، وبالتالي فلا مجال للتمسك بمقتضيات الفصل 269 ق ل ع الذي يعتبر القوة القاهرة كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه في حين أن حدوث العواصف خلال تلك الفترة من الأمور التي يمكن توقعها في فصل الشتاء الذي تكثر فيه العواصف...» (قرار رقم 706 الصادر في الملف التجاري عدد 84/2346)، نفس التوجه سلكته المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء في حكمها عدد 2571 بتاريخ 1986/10/02 الذي ورد فيه: «إن عاصفة بلغت قوتها 10 درجات وقعت في شهر دجنبر، وهي فترة تكثر فيها الزوابع البحرية التي تعترض طرق السفن، لا يمكن أن تكون غير متوقعة من طرف الربان، إذ أن عنصر انعدام التوقع ضروري لكي تشكل العاصفة قوة قاهرة»، كما ورد في إحدى قرارات المجلس الأعلى ما يلي: «لا يمكن الادعاء بالقوة القاهرة.تبين للمحكمة أن انقلاب القطار وقع في الوقت الذي كانت السكة الحديدية مغطاة بالمياه نتيجة الأمطار الغزيرة، الأمر الذي كان يمكن معه لحارس القطار توقع الحادث وكان في وسعه تفاديه لو أنه اتخذ كافة الاحتياطات اللازمة التي منها التريث حتى ينزل الماء....». (قرار عدد 1787 بتاريخ 1987/07/22 في الملف عدد 99431)، كما سارت محكمة النقض السورية في نفس الاتجاه (نقض مدني سوري 1952 بتاريخ 1980/12/27).ب- الحادث الفجائي: يجب الإشارة في البداية الى الجدل الذي عرفه الفقه بخصوص موقفه من المدلول القانوني لمفهوم الحادث الفجائي وعلاقته بالقوة القاهرة من حيث ما إذا كانا يعتبران سببا واحدا أم سببين مختلفين.هذا الجدل أفرز لنا اتجاهين الأول يميل إلى تبني الرأي الأول الذي شدد على ضرورة اعتبارهما سببا واحدا لا فرق بينهما، بينما يرى الثاني أن كلا السببين يتميزان عن بعضهما البعض باعتبار أن لكل واحد منهما شروطه الخاصة به.ويبدو أن المشرع المغربي انتصر للرأي الثاني بدليل أنه يشير تارة إلى أحد المصطلحين دون الآخر كما هو الشأن في المادة 485 من مدونة التجارة حيث استعمل مصطلح القوة القاهرة دون الحادث الفجائي، وتارة أخرى يتبنى المصطلحين معا لكنه يفرق بينهما بعبارة «أو» التي تفيد أنهما مختلفان عن بعضهما البعض كما هو الحال بالنسبة للمادة 479 من المدونة نفسها.والحادث الفجائي شأنه شأن القوة القاهرة يعد سببا معفيا من المسؤولية، لكنه لا يعتبر كذلك إلا في حالة واحدة وهي حالة التأخير في نقل المسافر الى وجهته المقصودة طبقا للمادة 479 من المدونة المذكورة، أما في حالة إصابته بأضرار جسمانية فلا يمكن للناقل التمسك بهذا السبب لعدم اعتباره كذلك من طرف المشرع المغربي.ج- خطأ المتضرر:يعتبر خطأ المتضرر سببا معفيا من المسؤولية يمكن معه للناقل أن يتمسك به في مواجهة الراكب، من خلال إثبات أن الضرر الذي تعرض له هذا الأخير كان بسبب فعله وأن هذا الفعل هو السبب الوحيد في الحادث. ولكن هذا الحكم لا يعتبر كذلك إذا كان ما ارتكبه المسافر من أفعال ألحقت به الضرر راجعة في الأصل الى فعل الناقل، كأن يستأنف السير سائق القطار دون أن ينتبه إلى صعود ونزول الركاب وإغلاق جميع الأبواب مما يترتب عن إصابة أحدهم بضرر، ومن التطبيقات القضائية لهذه الحالة نذكر قرار المجلس الأعلى عدد 767 بتاريخ 2006/07/05 الذي أبرم قرار محكمة الاستئناف التجارية بالدارالبيضاء رقم 2980 الصادر بتاريخ 2004/10/07 الذي أيد بدوره الحكم الابتدائي القاضي بتحمل المكتب الوطني للسكك الحديدية كامل مسؤولية الحادث الذي وقع لأحد الركاب نتيجة إصابته بأضرار إثر استئناف السائف السير دون الانتباه الى نزول الركاب، حيث دفع المكتب الوطني للسكك الحديدية في المرحلة الاستئنافية أن السير على السكك الحديدية يخضع لإجراءات دقيقة وواضحة على شكل بيانات وملصقات تعلق بمحطة القطارات وداخل عربات القطار، وأنه عند كل توقف للقطار تقوم المصالح التابعة له عن طريق مكبرات الصوت بإذاعة بيان تنذر المسافرين من خلاله بالاستعداد لاستئناف السير وتطلب منهم الحيطة والحذر.غير أن محكمة الاستئناف ردت هذا الدفع بعلة: « أن المستأنف، أي المكتب الوطني للسكك الحديدية، لم يثبت الخطأ المزعوم الذي نسبه للضحية ولم يثبت أنه قام بجميع الاحتياطات الضرورية لتفادي وقوع الحادث بإغلاق الأبواب وعدم تحرك القطار إلا بعد نزول المسافرين والإعلان بانتهاء فترة التوقف لأن الفصل 485 من مدونة التجارة يحمل الناقل المسؤولية عن الأضرار اللاحقة بشخص المسافر خلال النقل ولا يمكن اعفاؤه من هذه المسؤولية إلا بإثبات حالة القوة القاهرة أو خطأ المتضرر، وبما أن المستأنف لم يثبت إعفاؤه من هذه المسؤولية إلا بإثبات حالة القوة القاهرة أو خطأ المتضرر وبما أن المستأنف لم يثبت ذلك يبقى مسؤولا مسؤولية كاملة عن الأضرار اللاحقة بالمتضرر…». وهو التعليل الذي استصوبه المجلس الأعلى وقضى على ضوء ذلك برفض طلب النقض الذي تقدم به المكتب المذكور.وفي قرار آخر صدر تحت عدد 47 بتاريخ 1988/03/10 اعتبر نفس المجلس أن «المسافر الذي كان يعبر من عربة الى أخرى لم يرتكب أي خطأ من شأنه أن يعفي الدولة من هذه المسؤولية».بقي في الأخير أن نتساءل حول ما مدى تأثير فعل الغير على مسؤولية الناقل وهل يمكن لهذا الأخير أن يتمسك بهذا السبب لإبعاد المسؤولية عنه؟ بقلم: الحسين الزتوني