وقوع الضرر أثناء عملية النقل إذا كان الالتزام الرئيسي الملقى على عاتق المسافر هو أداء ثمن النقل، فإن الناقل يتحمل عدة التزامات، من بينها على الخصوص الالتزام بضمان سلامة المسافر وسلامة أمتعته وإيصاله إلى المكان وفي الوقت المتفق عليهما تحت طائلة إثارة مسؤوليته المدنية في حالة إخلاله بهذه الالتزامات. وتثير هذه المسؤولية جملة من التساؤلات، من بينها التساؤل حول طبيعتها القانونية ثم الأساس الذي تقوم عليه وحالاتها والوقت الذي تبتدئ وتنتهي فيه وما هي الإمكانات المتاحة أمام الناقل للتحلل منها، بالإضافة إلى الإجراءات الواجب اتباعها لتفعيل دعوى المسؤولية. ج- هلاك وتلف الأمتعة:أخضع المشرع المغربي نقل الأمتعة للقواعد الخاصة بنقل البضائع، بحيث لم يجعل الناقل مسؤولا إلا عن الأمتعة التي يتسلمها من الراكب دون تلك التي يحتفظ بها هذا الأخير وهو ما يتضح من مقتضيات المادة 482 من مدونة التجارة التي ورد فيها: « لا يلزم المسافر بدفع أي ثمن إضافي عن الأمتعة واللوازم الشخصية ما لم يتم الاتفاق على خلاف ذلك. يسأل الناقل عن ضياع أمتعة المسافر أو هلاكها حسب القواعد المنصوص عليها في المواد 458 و459 و460 و464، غير أنه لا يسأل عن الأمتعة التي يحتفظ بها المسافر».وإذا كان المشرع قد أعفى الناقل من المسؤولية عن الأمتعة التي يحتفظ بها المسافر، فإنه قد يسأل عنها في حالة وفاة هذا الأخير وتعرضها للهلاك أو التلف نتيجة تقصير الناقل في اتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليها وحماية مصالح الورثة الى حين تسليمها لمن له الحق فيها كما أوجبت ذلك المادة 486 من مدونة التجارة.يتعلق شرط وقوع الضرر أثناء عملية النقل بحالة إصابة الراكب بضرر أو أذى جسماني أو وفاته، إذ ربط المشرع قيام مسؤولية الناقل في هذه الحالة بوقوع الحادثة أثناء فترة النقل، وطرح التساؤل حول المقصود بهذه الفترة هل تبتدئ منذ اتصال الراكب بوسيلة النقل أو بمجرد اقتناء تذكرة السفر؟بخصوص الجواب على هذا التساؤل هناك اتجاهات، الاتجاه الأول يعتبر أن هذه الفترة تبتدئ منذ اتصال المسافر ماديا بوسيلة النقل أي القطار وتنتهي عند فقدان هذا الاتصال، فحسب هذا الاتجاه يكون الناقل مسؤولا عن سلامة الراكب منذ صعوده القطار وتنتفي عنه إذا غادر هذا الأخير.أمام الانتقادات التي وجهت للرأي الأول ظهر اتجاه آخر يوسع نسبيا من هذه الفترة معتبرا الناقل مسؤولا عما يصيب المسافر من أضرار منذ وصوله رصيف المحطة أي بمجرد وقوفه في هذا الأخير استعدادا لصعود القطار، إلا أن الشرط الأساسي الذي يستلزمه هذا الاتجاه هو التوفر على تذكرة السفر، فإذا أصيب الراكب بأي ضرر خلال هذه الفترة حتى قبل اتصاله المادي بالقطار قامت مسؤولية الناقل، وتنتهي مسؤوليته بمجرد خروجه ومغادرته المحطة.أما الاتجاه الثالث فإذا كان يتفق مع الاتجاه الثاني حول الوقت الذي تنتهي فيه المسؤولية العقدية للناقل، فإنه يختلف معه حول نقطة انطلاقها، إذ يعتبر هذا الاتجاه مسؤولية الناقل تبتدئ بمجرد اقتناء المسافر تذكرة السفر، وهو ما سارت فيه محكمة الاستئناف بالدار البيضاء في قرارها الذي ورد فيه: «متى ثبت أن الضحية دخل محطة القطار بعد أن حصل على تذكرة السفر وأن الحادثة وقعت في المحطة ولم يثبت المكتب الوطني للسكك الحديدية أي خطأ من الضحية، فإن مسؤوليته تكون قائمة حسب مقتضيات الفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود» (قرار عدد 1673 بتاريخ 1992/10/15) ملف 90/565).غير أن التساؤل يطرح بخصوص الحالة التي يصاب فيه المسافر بضرر قبل اقتنائه تذكرة السفر وذلك أثناء دخوله بهو المحطة وتوجهه إلى شباك التذاكر أو لغرض آخر غير ذلك كتوجهه إلى إحدى المحلات التجارية الموجودة داخل المحطة باعتبار أن معظم المحطات أصبحت في الوقت الراهن تضم فضاءات تجارية وترفيهية؟بخصوص الجواب على التساؤل المطروح يجب التمييز بين فرضيتين: الأولى يكون فيها الناقل هو غير مستغل المحطة هنا لا يسأل الناقل إلا أثناء البدء في تنفيذ عقد النقل الذي يتم بمجرد اقتناء تذكرة السفر كما سبق الذكر، ذلك أن الفقه يميز في هذا الإطار بين مسؤولية الناقل ومسؤولية مستغل أو مدير المحطة.الفرضية الثانية يكون فيها الناقل هو نفسه المستغل. هنا لا مجال للفصل بين المسؤوليتين على اعتبار أن الناقل هو الذي يتحمل وحده المسؤولية، غير أن طبيعة وأساس هذه المسؤولية يختلفان في هذه الحالة.مما لا جدال فيه وكما سبق التأكيد على ذلك أعلاه، أنه بمجرد اقتناء المسافر تذكرة السفر ينعقد العقد ويبدأ في ترتيب آثاره، ما يجعل مسؤولية الناقل عقدية قائمة على أساس الخطأ المفترض، لكن إذا حدث أن أصيب الشخص داخل المحطة وقبل اقتنائه تذكرة السفر، فإن المسؤولية هنا لن تكون إلا مسؤولية تقصيرية نظرا لغياب عقد النقل.وهكذا فقد جعل الفصل 88 من قانون الالتزامات والعقود الشخص مسؤولا عن الضرر الحاصل من الشيء الذي تحت حراسته كلما كان هذا الشيء هو السبب المباشر في حدوث الضرر، وأساس هذه المسؤولية هو الخطأ المفترض، أي افتراض ارتكاب خطأ في الحراسة وهو ما أكده المجلس الأعلى في قراره عدد 600 بتاريخ 31/12/1975 ملف مدني 41773 حيث جاء فيه: «إنه طبقا للفصل 88 من ق ل ع فإن المسؤولية الناتجة عن الأشياء غير الحية هي مسؤولية تنشأ عن خطأ مفترض في حراسة الشيء الذي تسبب في حدوث الضرر..».غير أنه بالنظر إلى أن النقل السككي في المغرب يتميز باحتكاره من طرف الدولة ممثلة في المكتب الوطني للسكك الحديدية الذي هو في الوقت ذاته مستغل المحطة، فإن مسؤولية هذا الأخير في هذه الحالة يجب بحثها في إطار الفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود، وهو ما يمكن استنتاجه من إحدى حيثيات قرار المجلس الأعلى 1787 المشار إلى مراجعه أعلاه والذي جاء فيه: «إن مسؤولية المكتب الوطني للسكك الحديدية باعتباره مؤسسة عمومية، تخضع لمقتضيات الفصل 79 من ظهير الالتزامات والعقود، وتترتب هذه المسؤولية عن تسيير مصالح المكتب ولو بدون خطأ ولا يعفى من هذه المسؤولية إلا إذا أثبت أن الضرر يرجع إلى خطأ الضحية أو إلى القوة القاهرة. لما كان الأمر كذلك فإن محكمة الاستئناف أخطأت عندما بحثت مسؤولية المكتب في نطاق الفصل 88 من ظهير الالتزامات والعقود، إلا أن المجلس الأعلى يعوض بالعلة القانونية المحضة المذكورة أعلاه، والمأخوذة من مقتضيات الفصل 79 والمطبقة على الوقائع الثابتة لدى قضاة الموضوع، العلة الخاطئة المستقاة من الفصل 88 الأمر الذي يجعل القرار المطعون فيه مبررا تبريرا قانونيا».ثالثا: وسائل دفع مسؤولية الناقل السككيإذا كانت مسؤولية الناقل العقدية تتحقق في حالة المساس بالسلامة الجسدية والبدنية للراكب والتأخير في نقله وإيصاله إلى المكان وفي الوقت المتفق عليهما وفق ما فصلناه أعلاه، فإن هناك بعض الحالات تعتبر منفذا للناقل يستطيع بها الإفلات من هذه المسؤولية.فبالرجوع إلى المادتين 479 و485 من مدونة التجارة يتضح أن المشرع المغربي خول للناقل إمكانية إبعاد المسؤولية عنه وذلك بالتمسك بإحدى الوسائل التي حددها له وهي القوة القاهرة، الحادث الفجائي، خطأ المتضرر، وإجراء إصلاحات ضرورية على وسيلة النقل، والخطر غير المتوقع.وإذا كان المشرع جعل من القوة القاهرة سببا معفيا من المسؤولية في حالة المساس بالسلامة الجسدية للراكب والتأخير في نقله إلى المكان وفي الوقت المحددين، فإنه أضاف سببا آخرا يختلف في الصورتين معا حيث جعل من خطأ المتضرر سببا معفيا إلى جانب القوة القاهرة في الصورة الأولى والحادث الفجائي في الصورة الثانية. بقلم: الحسين الزتوني