ملف الصباح

المعلـم… عبد “السوايع”

طيلة حياته ظل مؤمنا بأنه على المعلم أن يواصل تطوير نفسه وتفهم قيمته العلمية وسط المجتمع، حتى يظل متقنا لعمله وموصلا لرسالته التربوية السامية، لكن بعد أن تم تنقيله إلى البيضاء، عاش تحولا رهيبا.
فبعد أن كان مولعا بالتربية والتعليم ومحاولة تطبيق النظريات لحل “المشاكل البنيوية للتلميذ المغربي”، كما كان يقول، أصبح باحثا عن حلول لمشاكله المالية المعقدة بعد أن تعددت مطالبه ومطالب زوجته وأبنائه سقف الراتب الشهري، ليصبح عبدا “للسوايع” (الدروس الخصوصية)، لأنها الملجأ والملاذ.
هذا التحول، الذي عاشه، حول حياته إلى النقيض تماما، فبعد أن كان يلهث باحثا وراء الندوات التربوية ولقاءات المفتشين، أصبح لاهثا بحثا عن المدارس الخاصة التي تقدم أعلى أجرة عن الساعات المقدمة لتلاميذ “موالين الفلوس”، قبل أن يتطور أكثر ويتخصص في تقديم الدروس لأبناء الجاليات الراغبين في تعلم اللغة العربية، إذ أصبح معلما متجولا بين فيلات أنفا وكاليفورنيا و”الوازيس” و”السيال”.
ربما لو التقاه أحد معارفه السابقين من القرية الصغيرة التي كان يدرس بها نواحي الجديدة، لن يعرفه لأنه ببساطة تحول إلى رجل أعمال في جبة معلم، كما يقول بعض أصدقائه الحاليين.
بالنسبة إليه المدرسة لم تعد إلا مكانا للراحة، أو لتنظيم مواعده وتصحيح أوراق “موالين الفلوس”، ضاربا عرض الحائط بمهمته الأساسية التربية والتعليم، التي تفرض عليه أن يكون في خدمة الرسالة التي من أجلها يتلقى راتبه الشهري من الوزارة.
وبالنسبة إليه أيضا، العديد من المعلمين والأساتذة، حولوا نشاطهم الأساسي إلى أمور فرعية بعد أن أصبح همهم الوحيد لهم البحث عن مضاعفة الموارد المالية وتحسين الوضع الاجتماعي للعائلة والمقربين.
خلال السنوات الماضية، تحولت فئات كثيرة عن هدفها الأساسي وأصبحت بقدرة قادر راغبة في الانسلاخ عما تعلمته في مدارس التكوين بحجة تحسين ظروف العيش، وهذا الأمر مس الكثيرين في الصحة والتعليم والقضاء و….
معلمنا، يعيش أزهى أيامه من وجهة نظره، فبعد السنوات العجاف، كما يسميها، أصبح قادرا على السفر خارج المغرب للاصطياف، وعلى تغيير سيارته كل سنتين وعلى تسجيل أبنائه في مدارس خاصة، وهو الذي كان يدافع عن التعليم العمومي ويرفض أن يساهم في اغتناء “موالين الشكارة” كما يصفهم.
الآن، الأمور تغيرت ولم يعد القسم بالنسبة إليه ذلك المكان المقدس، الذي تربت فيه الأجيال بل مكان يتجمع فيه “أبناء الفقراء” تزجية للوقت إلى أن يدق الجرس…
أحمد نعيم

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق