fbpx
ملف الصباح

علوي: كل رجل تسكنهُ امرأة

الباحث في علم النفس الإكلينيكي يرى أن التعرف على الهوية الجنسية يكون عبر الوعي بالجسد والتنشئة الاجتماعية

أكد اسماعيل علوي، أستاذ علم النفس الإكلينيكي، أن المجتمع انتقل من ثقافة الكتمان إلى ثقافة البوح، وبالتالي أصبح يغيب الحرج وتحضر الرغبة المعلنة أو الخفية في تقمص عادات الجنس الآخر في اللباس والاعتناء بالجسد، أي أن يميل الذكور أكثر إلى الأنوثة والعكس صحيح. ويفسر الباحث هذا التحول بالاستلاب وعدم توفر قناعات فكرية صلبة قد تشكل المناعة القوية ضد

 

الخضوع إلى التأثيرات الخارجية، وقد يرجع الأمر ،حسب الباحث، إلى عوامل بيولوجية (الغدد الجنسية والإفرازات الهرمونية) وعوامل عصبية (الفرق بين دماغ المرأة ودماغ الرجل) و التغيرات السريعة  التي عرفها المجتمع في السنين الأخيرة بسبب العولمة وتعدد القنوات الفضائية والأنترنيت، إذ أصبح الاحساس بالانتماء إلى الجنس الآخر يتخذ أشكالا متعددة  (تمردية وإنحرافية ومرضية..).

كيف ينظر علم النفس إلى مسألة الهوية الجنسية؟
لا شك أن موضوع الهوية الجنسية يتسم بالتعقيد، بالنظر إلى العوامل المؤثرة فيه (نفسية واجتماعية وبيولوجية وبيئية…) وبالنظر كذلك إلى حساسية الخوض فيه، لأنه من الموضوعات المحرمة والممنوعة اجتماعيا. لذا يضعه علم النفس من أولويات اهتمامه. وفي هذا السياق، لا بد من الاعتراف أن التحليل النفسي شكل البداية الجدية للاهتمام بموضوع الجنس عموما والهوية الجنسية على وجه الخصوص. وكان هذا الاهتمام بمثابة « ثورة» على المجتمع وعلم النفس كذلك، خصوصا حينما حدد س. فرويد المراحل الجنسية- الوجدانية التي يمر منها الطفل، إذ اعتبر أن الوصول إلى مرحلة الكمون أو تحقيق الرغبة الجنسية بواسطة القضيب تتم بعدما ينتقل الطفل، في البداية، من المرحلة الفمية حيث تتمركز المنطقة الشبقية في الفم، ومنها إلى المرحلة الشرجية، وهنا تتحول إلى السرج عبر إخراج البراز. وهي مراحل مهمة في تشكيل الهوية الجنسية، لأنها قد تؤثر على السلوك الجنسي وعلى شخصية الراشد. وبما أن الاضطرابات الجنسية تعددت وتشعبت، أصبحنا نتحدث حاليا، عن تخصصات فرعية كالعلاج النفسي الجنسي  Sexothérapie  تعنى بالمشاكل الجنسية  (خلل في الأداء الجنسي، نقص أو فقدان الرغبة الجنسية، النفور الجنسي، فقدان التلذذ، التشنج في المهبل…) ذلك أننا قد نتحدث عن عدد كبير من الاضطرابات  الجنسية  (اضطرابات التفضيل الجنسي واضطرابات الرغبة الجنسية واضطرابات الهوية الجنسية). لذا، يرى علم النفس أن مسألة الهوية الجنسية لا بد أن تمر عبر الوعي بالجسد ككيان مستقل له خصوصية فيزيولوجية وتشريحية، وعبر الوعي بالرغبة والميول الجنسي.
 

متى يتعرف الشخص، ذكرا أم أنثى، على هويته الجنسية؟
التعرف على الهوية الجنسية يكون عبر توسط الوعي بالجسد أولا، ومن خلال التنشئة الاجتماعية والثقافة السائدة داخل المجتمع والأسرة ثانيا. لذا يبدأ الطفل في طرح الأسئلة الحرجة حول سبب الفرق الجنسي (ذكر – أنثى) أو سبب امتلاك القضيب أو عدم امتلاكه….ابتداء من سنتين يعي بأنه ولد أو بنت، ويستطيع التمييز من حيث الخصوصية بين الأب والأم ويكتشف عضوه التناسلي، من خلال السؤال عنه أو اللعب به أو ملاحظته عند طفل في سنه، والتمييز في أنواع الملابس المخصصة إما للذكور أو الإناث. وهذه المرحلة مهمة، لأنها تعتبر بداية تشكل الوعي بالجنس وبالانتماء إلى النوع والاقتناع بالدور والوظيفة. ويمكن ملاحظة هذا الوعي بالهوية الجنسية من خلال اللعب الرمزي للأطفال ولعب دور الرجل أو العروسة….وفي هذا الإطار على الأسرة الوعي بأهمية هذه المرحلة وتقديم كل أشكال المساعدة عن طريق الإنصات الجيد وتجنب القمع وبالإجابات المناسبة والذكية.

ـ هل الإحساس بالانتماء إلى الجنس الآخر حاضر من وجهة نظركم، اليوم لدى الفتيات والفتيان؟
بالتأكيد الاحساس بالانتماء إلى الجنس الآخر هو حاضر اليوم،  كما كان في الماضي عند الفتيان والفتيات. وهذه مسألة تتحكم فيها عوامل بيولوجية (الغدد الجنسية والإفرازات الهرمونية) وعوامل عصبية (الفرق بين دماغ المرأة ودماغ الرجل) إلا أنه مع التغيرات السريعة  التي عرفها المجتمع في السنين الأخيرة بسبب العولمة وتعدد القنوات الفضائية والأنترنيت… أصبح الاحساس بالانتماء إلى الجنس الآخر يتخذ أشكالا متعددة  (تمردية وانحرافية ومرضية..) حيث نجد الآن تمظهرا جليا للفرضية الفرويدية في ما يسميه بالثنائية الجنسية (التحليل النفسي) والقائلة أن داخل كل ذكر أنثى وداخل كل أنثى ذكر: لكل رجل رغبة في أن يكون امرأة وهذه الأخيرة لها رغبة ذكورية وذلك من خلال اشتهاء عضو الذكورة . فقط الآن، انتقل المجتمع من ثقافة الكتمان إلى ثقافة البوح، وبالتالي يغيب الآن الحرج وتحضر الرغبة المعلنة أو الخفية في تقمص عادات الجنس الآخر في اللباس والاعتناء بالجسد، وأقصد أن الذكور أصبحوا يميلون أكثر إلى الأنوثة. وهذا التحول سببه الاستلاب وعدم توفر قناعات فكرية صلبة قد تشكل المناعة القوية ضد أي محاولة للتأثير على شبابنا الدينامي والنشيط، لكنه يعيش حالة التيه والتردد وعدم توفر القدرة على الاختيار الصائب. لنقل، إذا أردت، أنه تم الانتقال من الإحساس بالانتماء إلى الجنس الآخر إلى الحرية في الانتماء. في البداية كان هذا الاحساس تتحكم فيه ضوابط اجتماعية وإكراهات ثقافية، أما الآن فلقد وقع «انفلات» على مستوى الهوية الجنسية وارتباك على مستوى الاختيارات والميولات والرغبات الجنسية. يصعب الآن التنبؤ بالتحولات التي سوف تقع في المستقبل، لكن الأكيد أن الانفتاح الإعلامي والثورة المعلوماتية كان لهما النصيب الأوفر من المسؤولية.

كيف تنظر إلى الاضطراب في الهوية الجنسية لدى بعض الأشخاص، هل هو مرض نفسي أم أن دوافعه اجتماعية؟
بداية لا بد أن أشير إلى مسألة في غاية الأهمية وهي أنه من وجهة نظر إكلينيكية وتصنيفية لأنواع الاضطرابات الذهنية، هناك فرق بين اضطراب الهوية الجنسية واضطرابات الاشتهاء الجنسي المغاير أو المماثل أو الجنسين معا أو اشتهاءات أخرى منحرفة كالأطفال والحيوانات…..وإذا أردت التوضيح أكثر، يمكن القول إن هذا الاضطراب يجد فيه الشخص المصاب أن علاقته هي غير سوية ولا يرتاح في هويته الجنسية الممنوحة له تشريحيا، وهذا ما يدفعه إلى التنكر لجنسه البيولوجي يكرهه، وفي المقابل يجد نفسه له رغبة في الانتماء إلى الجنس الآخر. وهذ ما يسمى بالتحول الجنسي الذي يتم إما بتناول الهرمونات أو الخضوع لعملية جراحية. وينبغي التأكد من ذلك بعد مرور عامين على الأقل حتى لا يختلط الأمر مع اضطرابات أخرى (الفصام مصاحبته بالرغبة في الانتماء إلى الجنس الآخر) وخطورة الأمر أنه قد يبدأ مند الطفولة، وذلك من خلال الرغبة في ارتداء ملابس الجنس الآخر من أجل الاستمتاع بتجربة مؤقتة.

هل يعد هذا الأمر كافيا للحديث عن رغبة في التحول الجنسي لدى الفرد؟
ليس من الضروري أن يتعلق الأمر هنا برغبة في التحول الجنسي، لأنه قد يكون سلوكا صبيانيا مؤقتا. أسباب اضطرابات الهوية الجنسية متعددة ومتداخلة بين الفطري والمكتسب وبين البيولوجي والاجتماعي (خلل هرموني وعصبي، عادات تربوية سيئة، صمت الآباء…), ومن جهة ثانية، هناك اضطرابات التفضيل الجنسي، حيث يمكن أن ندرج فيه الفيتشية (الاعتماد على أشياء للاثارة الجنسية والاشباع) وارتداء ملابس الجنس الآخر والاستعراء (الميل الدائم والمتكرر لكشف العضو التناسلي في الأماكن العمومية من أجل الإثارة والتلذذ) والتلصص والسادية والمازوشية وعشق الأطفال…. أما المثلية الجنسية، فهي تندرج ضمن الاضطرابات النفسية والسلوكية المصاحبة للنمو الجنسي. وهنا لا بد أن نشير إلى أن علم النفس لا يبحث عن تبريرات أو أعذار لظاهرة المثلية الجنسية ولا يمنح الشرعية العلمية لأي سلوك جنسي منحرف، ذلك أن هذه الظاهرة هي متعددة العوامل قد تكون لها علاقة بصدمات الطفولة والتعرض لحالات الاغتصاب وقد تكون لها علاقة بالتربية الخاطئة. ولكن بالإمكان أن يخضع الشخص للعلاج النفسي. وفي النهاية أريد أن أنبه إلى أنه في السنين الأخيرة ارتفعت نسبة المثلية الجنسية بشكل ملحوظ عند الفتيان والفتيات، وأصبحنا نشهد زحفا واكتساحا لمساحات كانت، في عهد قريب، فيها خطوط حمراء صعبة الاختراق (إقامة أعراس للمثليين، إنشاء جمعيات…) ما يستدعي نقاشا وحوارا، والبحث عن الأسباب، من أجل التشخيص الجيد قصد إيجاد الحلول العلاجية المناسبة. وأعتقد أن القنوات والفضائيات والأنترنيت أثرت بشكل ملحوظ على الأفكار والذهنيات و الاختيارات والميولات الجنسية.   

أجرى الحوار:
رشيد باحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى