مجهودات لمحاربة التجزئات العشوائية ومخلفات سنوات "السيبة" العقارية شهدت وجدة، خلال العقدين الأخيرين، توسعا عمرانيا كبيرا كان له انعكاس كبير على تخطيط المدينة وعلى بنية الاستثمار بها، إضافة إلى خلخلة ركائز الحركة التجارية بعاصمة المغرب الشرقي.وقد تولدت عن هذا الوضع اختلالات ملحوظة مست الجانب المجالي، كما مست المساحات والمناطق الخضراء والبساتين التي عجزت عن الصمود أمام الزحف العشوائي الخالي من كل روح جمالية أو هندسية تراعي الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والجمالية للمدينة التي كانت تحسب في سنوات الخمسينات والستينات من أجمل المدن التي احتفظت بالطابع الهندسي الفرنسي، كي تناسب جالية مختلطة أوربية ومغربية تعيش وتستقبل زوارها يوميا من المدن الجزائرية بالخصوص.وبسبب الزحف العشوائي للعلب الإسمنتية، تضاعف حجم الاستثمار في العقار بنسبة كبيرة، ما جعل معدل التعمير بمدن الجهة الشرقية من بين أعلى المعدلات ارتفاعا على المستوى الوطني، إذ ارتفع من 26 في المائة سنة 1960 إلى 55 في المائة سنة 1994 ليصل إلى 62 في المائة في سنة 2004، ومن المتوقع أن يصل هذا المعدل إلى 72 في المائة سنة 2015.هكذا، تحولت وجدة إلى جنة المستثمرين في العقار، إذ شهدت سنوات الستينات والسبعينات على الخصوص نموا هائلا في العرض بشكل متواز مع الطلب من طرف المغاربة المقيمين بالخارج لسبب ثقافي وأخلاقي يجعل ملكية المواطن الوجدي لسكن أو قطعة أرضية أمرا محسوما في أولويته وضرورته، لذلك سطا وحوش العقار على مئات الهكتارات الواقعة ضواحي المدينة ووسطها لتتحول إلى تجزئات تحمل أسماء هؤلاء المجزئين بدلا من أسماء المقاومين، أو الرموز المحلية، أو التاريخية للمغرب.بموازاة ذلك، تناسلت جحافل «المجزئين الفوضويين» الذين يقومون بتقسيم الأراضي إلى بقع أرضية فوضوية عشوائية دون الحصول على الرخص القانونية، إذ يبلغ عدد الأحياء العشوائية بمدن وقرى الجهة الشرقية أكثر من 392 حيا تمتد على مساحة تقدر بـ 5406 هكتارات تقطنها 119187 أسرة، ما يشكل نسبة 40 في المائة من العدد الإجمالي لأسر الجهة الشرقية. ولاعتبارات إنسانية وإدارية، زود أكثر من 108 أحياء عشوائية بالمرافق الصحية اندرج بعضها في إطار إعادة هيكلة المدينة خصوصا في التسعينات. ورغم أن الوزارة المكلفة بقطاع الإسكان والتعمير شرعت في العمل منذ نهاية الثمانينات وبداية التسعينات في إعادة هيكلة عدد من هذه الأحياء وتزويدها بالمرافق الضرورية في إطار إستراتيجية عامة تهم محاربة البناء العشوائي، إلا أن إشكالات سياسة التعمير والتهيئة بالجهة مازالت مطروحة بحدة في ظل غياب مقاربات حقيقية لمعالجتها.وفي مقابل ذلك، ارتفع عدد المشاريع المدروسة بأقاليم الجهة الشرقية عموما وبمدينة وجدة على الخصوص، إذ تجاوز عددها خلال سنة 2007 وحدها أكثر من 8 آلاف وحدة سكنية على مساحة تفوق 800 هكتار بحجم استثمارات فاقت أكثر من 6400 مليون درهم. وتمثل مشاريع السكن الاقتصادي الاجتماعي نسبة 88 في المائة من مجموع المشاريع المنجزة بالجهة الشرقية. ورغم استفادة المنعشين العقاريين من التحفيزات والإعفاءات الضريبية التي تقدمها الدولة لفائدة المستثمرين في هذه المشاريع والبرامج ذات الطابع الاجتماعي، والتي لا يتعدى ثمنها في الغالب 250 ألف درهم، إلا أن هذا المنتوج اصطدم بسياسة الاحتيال بسن أسلوب تقديم التسبيقات دون تقديم أي ضمانات وسيادة «النوار»، ما خلق عدم استقرار في الإقبال عليه من الفئات التي من المفترض أنها الزبون الأول له. إذ يشكل هذا التعامل نوعا جديدا من المضاربة والتحايل على القانون يلجأ إليه المضاربون العقاريون، الذين يستفيدون مرتين من تصريف المنتوج، أي من خلال الإعفاءات والتحفيزات ثم من خلال ما يعرف بـ «نوار". من جانب آخر، تعكس سياسة بعض المؤسسات التابعة لوزارة الإسكان والتعمير وجها آخر للمضاربة دون نية إحداث ذلك كما يقول فقهاء القانون، إذ كانت تعمد مؤسسة إيراك سابقا إلى بيع قطع أرضية بمشاريعها المبرمجة عن طريق تقديم طلبات عروض الأثمان، غير أن الذي ظل يستفيد من هذه العملية هم السماسرة والمضاربون العقاريون المستثمرون، ليقوموا بإعادة بيعها بثمن خيالي بعد ارتفاع الأسعار، وبالتالي حرمان العديد من الأشخاص الذين تقدموا بدورهم للحصول على بقع أرضية لأنهم تقدموا بعروض أقل. وقد تنبهت المؤسسة إلى الأمر وقامت بتصحيحه عن طريق تحديد الأثمان والبيع المباشر للقطع بأثمنة تتجاوز الكلفة بقليل، قصد محاربة الوساطة غير القانونية، كما ذكر مسؤول بمؤسسة العمران، وهو يشرح الأهداف الحقيقية لتدخل المــــؤسسة.بيد أن المعيقات نحو تطوير المنتوج وتنويعه في العرض العقاري لا تزال تلقي بظلالها، نظرا إلى صعوبة الحصول على الوعاء العقاري وتضاؤل حجم الاستثمار من طرف الجالية المغربية بالخارج باعتبارها زبونا مهما في ميزان العرض والطلب سواء بالمدن الشرقية، خصوصا وجدة وبركان والناظور، أو بالسعيدية قطبا سياحيا جاذبا لنوع جديد من العرض العقاري السياحي، وهو منتوج جديد على ثقافة الاقتناء بالنسبة إلى المهاجرين المغاربة. ورغم ذلك، بدا سمير رحاب، المسؤول التجاري بمؤسسة العمران بوجدة، متفائلا وهو يقدم البيانات والأرقام على وفاء هذا الزبون. فخلال سنة2011 سوقت المؤسسة أكثر من 200 وحدة نصفها من القطع الأرضية وربعها تقريبا من الفيلات والشقق سواء بتقديم الطلبات أو بالاقتناء الفعلي لكل أصناف المنتوج المعروض، وبالطبع فان هذا الأمر لا يرقى إلى ما يمكن انتظاره من استثمارات للجالية المغتربة في البنية العقارية للجهة سواء السياحية، أو التجارية، بل حتى السكنية المحضة. محمد المرابطي (وجدة)