fbpx
مجتمع

عاملات “كونفكس” يصرخن “لا للتشرد..لا للضياع”

تسود في أوساطهن شكوك بأن إدارة المعمل تنوي التخلص منهن

تحت زخات مطرية خفيفة، تهاطلت على الميتروبول هذا الصباح (صباح الجمعة الماضي)، كانت عشرات الأفواه تردد شعارات متوسلة ومستعطفة تستغيث بأعلى سلطات البلاد للتدخل ووضع حد لحالة «التشرد. الضياع. التحايل»، كما كُتب على اللافتة التي رفعتها عاملات مصنع للنسيج والجلد والألبسة الجاهزة والذي يتخذ من المنطقة الصناعية لحي مولاي رشيد مستقرا له. محاولة للتخلص
أصل الحكاية، كما روتها مريم بوزرزار، وهي واحدة من حوالي 200 عامل، أغلبهم نساء، بالمعمل المذكور، هي «محاولة للتخلص» من العاملات اللائي قضين مدة طويلة في العمل بمعمل الأنسجة والألبسة CONFEX. وكيف تم تدبير «محاولة التخلص»؟. «لقد غادرنا مقر الشركة لقضاء عطلتنا الصيفية وعندما عدنا لاستئناف عملنا»، تشرح مريم، الشابة التي توحي ملامح وجهها بأنها بالكاد بلغت أواسط العشرينات من عمرها، على هامش الوقفة الاحتجاجية التي نُظمت يوم الجمعة (الماضي) أمام مقر المعمل.  
«بعد عودتنا مباشرة توجهنا إلى مقر المعمل، لكن الشخص المكلف بحراسة بابه أخبرنا أنه تلقى تعليمات بمنعنا من ولوجه»، تضيف المتحدثة نفسها، وكلامها ذاته تؤكده زميلتها سهام الراكيلي، قبل أن تضيفا أن العاملات لما اتصلن بمدير الشركة لاستفساره عن أسباب منعهن من ولوج المعمل «تذرع بأن مصالح الجمارك حجزت بعض بضائعه، وهو الأمر الذي تركه في ضائقة مالية، فرضت عليه أن يعلق أنشطته مؤقتا».

الذرائع
إلى متى هذا التعليق المؤقت؟ «لقد أخبرنا أنه علينا الانتظار إلى حلول شهر نونبر المقبل، وفي حال تم الإفراج عن البضائع المحتجزة فإنه سيستأنف أنشطته»، تجيب مريم بنبرة عميقة وهادئة لا تخفي ملامح يغمرها القلق من مستقبل غامض يتهددها وعشرات النساء اللائي قضين عشرات السنين في نسج وخياطة الملابس.وماذا لو لم يتم الإفراج عن البضائع «المحتجزة»؟ «في هذه الحالة فإنه أخبرنا بأنه بإمكاننا اللجوء إلى المساطر القضائية للحصول على حقوقنا»، تضيف مريم بالنبرة الهادئة ذاتها، لكنها ممزوجة بأسى لا تخطئه الأذن.
الفكرة السائدة في أوساط العاملات اللواتي خرجن للاحتجاج على مصير ومستقبل مظلمين وغامضين ينتظرانهن وأسرهن، هي أن كل ما في الأمر هو محاولة «مكشوفة ليتنصل صاحب المعمل (ح. ه) من مسؤولياته تجاه العاملات اللواتي تتوفر بعضهن على أقدمية تصل إلى أكثر من عشرين سنة»، توضح سهام.

استقرار العمل
«يا أمير الفقرا..أجي تشوف الشفارا»، «غيثونا..غيثونا…الباطرونا كالونا»… كانت هذه عينة من الشعارات التي رفعتها عشرات النسوة اللائي خرجن يوم 12 من الشهر الجاري للاحتجاج أمام مقر المعمل، كما رفعن لافتة كتب عليها «عاملات وعمال شركة CONFEX يطالبون باستقرار العمل وبضمان حقوقهم وعلى رأسها الأجور». اللافتة نفسها ذيلوها بست كلمات تختزل مشاعر الخوف والقلق والهواجس التي تنتابهن جاء فيها «لا للتشرد. لا للضياع. لا للتحايل».
منذ أن تفجرت أزمة عاملات معمل النسيج والألبسة سعى ممثلون عن النقابة الموحدة للنسيج والجلد والألبسة الجاهزة، وهي الإطار النقابي الممثل للعاملات، إلى فتح حوار مع مسؤولي المعمل وعلى رأسهم مديره، لكن مفاجأتهن كانت كبيرة جدا. «لم نعد نعثر لصاحب المعمل على أثر، فهاتفه غير مشغل، وحتى البيت الذي كان يقطن به قام برهنه وغادر إلى وجهة غير معلومة»، تقول مريم.
السلطات المحلية وممثلو الإدارة الأمنية بعمالة مولاي رشيد عقدوا الأسبوع الماضي اجتماعا، بمقر دائرة مولاي رشيد، ضم ممثلي العاملات والعمال، وحاول خلاله قائد المنطقة الصناعية لمولاي رشيد ربط الاتصال بمدير المعمل «لكن تعذر عليه ذلك» تضيف سهام. ممثلو السلطات المحلية هدؤوا من روع المحتجات وطمأنوهن أنهم سيتخذون كافة الإجراءات ليعدن إلى عملهن، وضربوا لهن موعدا يوم غد (الاثنين) لعقد اجتماع آخر وانتظار ربط الاتصال بالمدير الذي اختفى فجأة دون أن يخلف أي أثر، أو على الأقل تحديد مكانه لتوجيه استدعاء رسمي إليه ومعرفة موقفه من هذه القضية.

مسلسل المعاناة
في حديثهن إلى «الصباح» ذكرت العاملات أن مسلسل معاناتهن لا يقتصر على «محاولة الطرد الجماعية الأخيرة»، كما يسمينها، وإنما يمتد كذلك إلى الكثير من حقوقهن المادية والاجتماعية.
فالمعمل الذي كان «مضربا للمثل في منح عماله وأطره كل حقوقهم المادية والاجتماعية بما فيها العلاوات، خاصة علاوات الحوامل… ضرب كل المكتسبات عرض الحائط»، تقول كل من مريم وسهام بصوت موحد تغلب عليه نبرة من الأسى والحزن، قبل أن تضيف مريم «كل تلك الحقوق صارت اليوم في خبر كان». تستشهد مريم على كلامها بحالة إحدى العاملات التي كانت حاملا ولما ألمّ بها المخاض غادرت لتضع مولودها، لكن عوض أن تستفيد من علاوة الولادة التي «كانت تصل في حالتها إلى 9 آلاف درهم فإنها لم تستفد سوى من 1500 درهم (قيمة العلاوات تتفاوت حسب أقدمية كل عاملة)»، تتذكر مريم.
ولما استفسرت العاملة المذكورة عن أسباب تقليص العلاوة فإنها «كادت تحرم حتى من ذلك المبلغ الهزيل الذي تلقته وظلت ‘تسايس’ الشخص الذي يتولى إدارة الشركة حتى لا تخرج بخفي حنين».
…الباطرونا
وذلك فقط واحد من مظاهر المعاناة اليومية للآلاف من العاملات اللواتي يقدمن شبابهن وأعمارهن قربانا بمعامل أصبحت منتشرة كالفطر بالأحياء الصناعية تمتص دماء اليد العاملة، شبابا ورجالا ونساء وحتى شيوخا، بأجور هزيلة وفي غياب أدنى الحقوق الاجتماعية…وتلك حكاية تطول تفاصيلها وتتشعب وسط غابة يتسيدها الهاربين من أداء مستحقات العمال، الذين لا هم لهم سوى الأرباح التي يجنون..حتى ولو كانت على حساب آلاف المستضعفات والمستضعفين.
«لم نعد نستفيد من حق الانخراط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي»، تقول سهام، موضحة أن صاحب المعمل قام «بتعطيل انخراطنا في سي إ نيسيس». وهي خطوة «تؤكد» شكوك العاملات في كون إدارة المعمل تسعى إلى «التخلص» منهن.
النسوة العاملات في معمل Confex، وأغلبهن يعلن أسرا كاملة ومنهن المطلقات اللواتي يعلن ثلاثة أطفال أو أكثر، يشتكين كذلك من حرمانهن من التعويض عن ساعات العمل الإضافية، وتؤكد مريم أنهن كن يعملن أحيانا حتى بالليل لكن دون الحصول على تعويض.
«ديما كان كيضيعنا» تصرخ إحدى العاملات بصوت عال، قبل أن تضيف، وهي التي تشي ملامح وجهها الذي تجعد بأنها أفنت أمام آلات النسج والغزل والخياطة سنوات زهرة عمرها، «واليوم باغي يشردنا».

محمد أرحمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى