fbpx
مجتمع

تامـكـروت…مستشـفى “المسكـونـين”

مرشدون يتسابقون على الزوار ويعرضون عليهم إيواء مرضاهم

حين تنزعج لأنك ستضطر للخروج من السيارة والخوض في “العجاجة” من أجل قطع بضعة أمتار باتجاه زاوية تامكروت، فإن هذه الكلفة لا تزعج آخرين متراصين، أو ممددين، في محيط المكان، وما أن تقف سيارة ما حتى يتحولون إلى حراس سيارات ومرشدين وخبراء في الجن، بل ومستقبلين للزوار في بيوتهم. أمام الزبون المفترض يتدافعون. كل يحاول الفوز بلقمة العيش،

دون اكتراث أن يكون عرض أولا الخدمة نفسها على الوافدين. هكذا يقضي مرشدون عشوائيون نهارهم أمام الزاوية الناصرية بتامكروت، يتربصون بـ10 أو 20 أو 50 درهما، حسب ما تجود به أريحية زوار الزاوية لأغراض تتنوع بين العلمية والسياحية وطلب علاج خرافي.

أشغال البناء متواصلة، بل تسابق عقارب الساعة كي تكون الزاوية مكتملة قبل موعد موسمها السنوي، ويشارك فيها مواطنون ليسوا من المدن القريبة فقط، بل منهم من يتحمل عناء قطع مسافات طويلة ليشارك في طقوس تختلف في بعض تفاصيلها في زاوية تامكروت. «الأغلبية هنا ترتدي الأسود، والناس تأتي للمشاركة وليس للتفرج، بل أغلبية الحاضرين من المدن يكون بهم مس ما، وهو ما يحملهم على وجه السرعة إلى المكان، يحضرون خياما ويبيتون هناك الليالي» يقول مرشد، حافظ على ابتسامة مصطنعة، وجاهد لكي تكون قامته شبه منحية في إشارة إلى استعداده لخدمة زبونه بكل طواعية.

رواد من كل الفئات
يحفظ خريطة الزاوية عن ظهر قلب. بالنسبة إليه المظاهر لا تصنف الزبون في شريحة الزائر من أجل العلاج أو السائح الذي يبحث عن إطلالة على واحد من الكتب القيمة بمكتبة تامكروت، أو الوافد من أجل الجلوس إلى طاولة البحث المهترئة داخل المكتبة بحثا عن استشهاد أو معلومة أو نفحة من نفحات التاريخ، فكلهم «بحال بحال، حيت شي مرة تيجي شي واحد لابس مزيان، مكرفط وكولشي، وباغي غير البركة، ما عندو غرض بالمكتبة». ما يشير إليه الرجل من هذه الشهادة هو أن طالبي العلاج في زاوية تامكروت ليسوا فقط من شريحة الفقراء، قبل أن يستنجد بسيارة مرقمة بالخارج محملة بأمتعة وأفرشة، ليقول «هؤلاء قضوا هنا أسبوعا كاملا، العائلة برمتها اعتكفت داخل الزاوية، كلهم يعانون وجنهم حملهم إلى المكان، في البداية لن يفكر أحد أنهم من الشريحة التي تعتقد بضرورة البقاء في زاوية من أجل العلاج وممارسة طقوس معينة لهذا الغرض، فسيارتهم فاخرة وهيأتهم كذلك كما أنهم يقيمون في الخارج، لكن رغم ذلك لم يقصدوا المصحات، بل جاؤوا إلى الزاوية». يحكي الرجل وفي صوته نبرة انتصار لرأي.

نظرة داخل الزاوية
ما أن تدلف الباب حتى تقبل على فضاء مفتوح، تكومت وتمددت وجلست في ممراته أجساد مرضى، بعضهم حافظ على نظافته، والبعض الآخر أقرب إلى مشرد تغطي جسده أسمال قليلة. عند ناصية عمود إسمنتي كانت فاظمة من بني ملال، تحدق في الأرضية، يد على الخد ويد أخرى تحتضنها كما لو كانت تخشى أن يسرقها منها أحد. ترد على التحية بما يشبه التردد والخجل، «إيه لاباس… نحمد الله، ملي رجعت هنا…»، تقول فاظمة، وقد بدأت تتخلص من ترددها، رغم أنها كانت في كثير من الأحيان تستنجد بالمارة، عسى أن تجد من بينهم من يخلصها من الرد على الأسئلة.
خلفت المرأة بيتها في بني ملال وحملت جسدها المتهادي إلى تامكروت بحثا عن الخلاص، «إيدي …تتعواج ليا ملي تنرجع لبني ملال، ولكن غي تانجي هنا تتولي شويا». ترفع المرأة يدها المصابة، قبل أن تضيف أن أسرتها نقلتها بالفعل من أجل العلاج في المستشفى، إلا أن ذلك استعصى عليها، «بالعكس غير تنمشي لسبيطار تا يتزاد عليا الحال». اعتقاد فاظمة أن راحتها أو علاج يدها يكمن في المكوث بالزاوية، جعلها تقضي حوالي سنة، «غاديا راجعا»، كما قالت، «حين تنفد مني النقود أعود إلى بني ملال، وما أن أتدبر مبلغا معينا حتى أعود».
لم تكن فاظمة وحدها من خلف حياته الطبيعية وسط العائلة، وطرد كل الذين تقدموا للارتباط بها، بل تخلص «أ» هو الآخر من حياته السابقة، ليقيم في الزاوية سنوات، والرجل، كما يقول لا يعاني أي مرض قد يتوهم أن علاجه يكمن في أسياد تامكروت، بل «كنت أعبر المدينة بعد رحلة عمل في المنطقة، لأضيع محفظة نقودي. جمعت مبلغا من الناس وعوض أن أقتني تذكرة السفر وأعود إلى بيتي قضيت الليلة هنا، ثم لا شعوريا قضيت الليلة الثانية فالثالثة والرابعة ومرت الأيام والسنوات دون أن أجرؤ على ترك الزاوية». يتحدث الرجل بطلاقة، ويحافظ على هيأته نظيفة، رغم أنه تستبد به أحيانا مسحة حزن وتجر أشياء غامضة نظراته إلى الأسفل فيهيم فيها، ويحدق فيها بشكل أقرب إلى المجانين.

الطبيب ملعون تامكروت

مرضى مقيمون بالزاوية

يستغرب المرشد، يبحث في هوية مرافقيه، «قلتو ليا انتوما ماشي صحافة، وعلاش كتسولو الناس، ياكما عندكم شي حد بغيتو تجيبوه». ما أن يسمع الرجل الجواب الذي يريد حتى يقترح بيته مسكنا للوافد، «سأرافقها كل صباح إلى الزاوية وستهتم بها زوجتي، سترافقها إلى المقبرة والحمام وستقوم معها بكل الطقوس، بلا ما تهزو ليها الهم». بعد أن يصدق الرجل أن زبونيه يبحثان عن مكان لمريضة تطلب العلاج بتامكروت، يفتح بيته اقتراحا، ويستفيض في سرد أنواع الخدمات التي يمكن أن يقدمها، مؤكدا أن مجموعة من البيوت تفتح أبوابها لزوار تامكروت إذا انغلقت في وجوههم الزاوية، «أحسن تبقى عندي، إلا خفتو عليها من المرضى الآخرين، غادي تكون في أمان»، في اعتقاد منه أن زبونيه قد يأتياه بمريضة مقربة منهما ليرعاها، وهي خدمة لم يعرضها وحده، بل سبقت إليها مريضات أخريات اشترطن القيام بذلك مقابل مصروفهن اليومي، أو ما أسمته إحداهن «الصدقة والصابون».
الخطأ الجسيم هو عرض خدمة الطبيب داخل بيوت تامكروت الخاصة بالنساء، لأنهن يتجردن من إنسانيتهن ويخرجن من كواليس صدورهن أصواتا مرعبة، يحاولن مهاجمة محدثتهن عن الملعون في تامكروت: الطبيب.

بابا جليل…حارس ابن خلدون والبخاري
حتى إن كانت المكتبة قد أغلقت أبوابها، فإن بابا جليل خليفة بلحسن الفاسي لا يتردد في فتح أقفالها ليبسط الطريق أمام زواره، ويعرفهم بكل حفاوة ب»أبنائه»، وهذا هو الوصف الذي يطلقه الرجل الذي عمل في المكتبة منذ سنة 1959، على الكتب القيمة التي تحبل بها لبها المكتبة، وإن كانت لا تلقى العناية العلمية التي تلقاها كتب جامع القرويين بفاس، للحفاظ عليها تراثا والقضاء على حشرة الأرضة التي يمكن أن تحولها إلى مجرد غبار.
لا يبدأ الشيخ الوقور من حيث السؤال، بل من حيث البداية التي يراها مناسبة، «مؤسس المكتبة هو محمد بناصر سنة 1100 هجرية و1600 ميلادية، تحتوي على كتب قيمة جدا، أعمارها تعد بالقرون وليس بالسنوات. يفد علينا باحثون من كل دول العالم، على الأقل أربعة في الشهر يبحثون في كتب هذه المكتبة، ثم يعيدونها إلى مكانها ويغادرون». يقول بابا جليل، ثم يضيف بحماسة أكثر حين يشير بأصبعه إلى ما اصطف وراء زجاج مكتبة قديمة، «هذا ديوان الإمام البخاري، وهذا الشرح، وهذا قاموس اللغة للفارسي محمد بن يعقوب الفيرزادي، وهذا…وهذا…وهذا…» لا تأخذه الحشرجة التي تأخذ عادة من هم في سنه، ولا تتعبه أسماء علماء وكتاب تسترسل كحبات مسبحة، بن…بن… بن… بن …
إذا لم يلح الزائر في وضع نقطة نهاية لاستعراض  أسماء وميزات مجموعة من الكتب التاريخية، فإن بابا جليل لا يمل ولا  يتعب من سرد حكاية وقصة كل كتاب، ولا تحط بك المركبة التي يحلق بك فيها في فضاء هذه المكتبة الشاسع تاريخا والضيق مساحة حد الاختناق، إلا حين يرى أنك اكتفيت.

ضحى زين الدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى