حوادث

دراسة: العدول وحكرة المسؤولين

مهنة التوثيق العدلي جامدة منذ رسم خطوطها العريضة المهندسون الفرنسيون

يعيش عدول المغرب هذه الأيام احتقانا خطيرا، بعد توالي الضربات الموجعة إلى المهنة وتزايد الاجهاز على المكتسبات وسلب حقوق تاريخية منهم ومدها بسخاء لجهات أخرى منافسة وإثقال كاهلهم بمثبطات وقيود لا طاقة للعدول بها.

هذا كله يتم تمريره والمغرب يعرف حراكا سياسيا على جميع الأصعدة والميادين وكلما تقدم العدول بمطالبهم فرادى وجماعات الى الجهات المعنية والمسؤولة وإلى أصحاب القرار إلا ويجدون تفهما لهذه المطالب ودعما كاملا لها، ولكن كل هذا يبقى في إطار الحوار من أجل الحوار دون ترجمته إلى الواقع وكلما التقى السادة العدول بالمسؤولين في لقاءات رسمية إلا وجددوا مطالبهم وأكدوا تشبثهم بها ويكون الرد دائما هو الموافقة المعهودة وبدون تطبيق، حتى أن السادة العدول عبر التراب الوطني يتداولون أن أشخاصا ما في المسؤولية يكنون عداء مجانيا لمهنة التوثيق العدلي ويقفون سدا منيعا أمام كل ما يمكن أن يطور المهنة ويدفع بها لتساير المتغيرات التي يعرفها المغرب، لا لشيء إلا لهذا العداء الذي يجهل السادة العدول أسبابه ودوافعه.
وحتى يعلم كل الذين يضمرون حقدا وعداء لمهنة التوثيق العدلي أن المهنة صامدة وشامخة وباقية ما بقيت الدنيا بهؤلاء العدول أو بغيرهم، رغم ما يكن لها من عداء وكراهية من الحاقدين والكائدين. وسنحاول طرح أهم المشاكل التي أصبح يعانيها السادة العدول حاليا ليكون كل من له قدر من المسؤولية في هذه المصيبة التي حلت
بالمهنة على بينة وعلى اطلاع على خطورة ما يتهدد العدول والعدالة، ومن هذه الأمور:
وبعد مرور قرن من الزمان ما زال العدول ضحية تخطيط استراتيجي واضح، ورغم أن المغرب طوى وقطع مع بداية القرن 21 مع مدونة الأحوال الشخصية وكل ما يرتبط بها من قواعد ومفاهيم سابقة إلى لتأسيس ثقافة أخرى في الحياة الاجتماعية للمغاربة مع مدونة الأسرة وما حملته من تحولات، ورغم تقرير الخمسين سنة الماضية للمغرب والخلاصات والنتائج المستخلصة منه في كافة مناحي الحياة المغربية ورغم تغيير النظم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للمغاربة بحكم السيرورة التاريخية، ورغم كل هذه التحولات والتغيرات سواء منها الأفقية أو العمودية تبقى مهنة التوثيق العدلي جامدة كما رسم خطوطها العريضة المهندسون الفرنسيون، حيث حاليا هي بدون مرجعية ثابتة وواضحة الأسس والقواعد، ولا هي مؤسسة مرتكزة على الفقه الإسلامي، ولا هي محالة على القانون الوضعي، وإنما حالها على حسب التأويل والرؤى الشخصية وبذلك تكون كما هي في كلام الفقهاء بين المنزلتين.
ومن هذا التضارب والتجاذب بين المرجعيتين تلقي الاشهاد من المتعاقدين والاشهاد عليهم وتحرير العقود وإلزام المتعاقدين بالامضاء عليها وإلزام العدول بالتلقي الثنائي وخطاب السيد القاضي للرسوم ومراقبتها وإبقاء العقود في شكلها بالصورة التقليدية العتيقة ضدا على التطور والانفتاح و مسايرة المجتمع في صيرورته، وتهميشا للثورة الالكترونية التي يعرفها العالم في ميدان الاعلام والاعلاميات الى غيرها من المنفرات والعراقيل والاسيجة التي يحار العقل في الحصول على الهدف من الحفاظ والابقاء عليها.
ومن آخر ما جاد به المسؤولون والقانون من حكرة على العدول هو عرقلة عملهم بكتاب أو ما يعرف (بالنساخ) وهم الذين ينقلون وينسخون العقود العدلية الى سجلات التضمين وإلزام العدول قانونا بهذا النظام بدعوى تشغيل الشباب ومحاربة البطالة ليصيروا في الأخير حاجزا من الحواجز المضافة للعدول وللمواطنين والزيادة في تعقيد الآليات والمساطر ضدا على كون القضاء في خدمة المواطنين.
الاجهاز على مجموعة من المكتسبات التاريخية وسلبها من أصحاب الاختصاص بدون حق وبدون مراعاة لتكافؤ الفرص بين العدول وغيرهم، ومن ذلك إقصاء السادة العدول بصفتهم أصحاب الحق الشرعيين تاريخيا للتوثيق في المغرب من تلقي عقود السكن الاجتماعي ومنعهم من هذا الحق بطرق ملتوية وغير دستورية، علما أن السكن الاجتماعي مخصص للفئات الضعيفة وذات الدخل المحدود، والكل يعرف أن هذه الشريحة الاجتماعية مرتبطة ارتباطا تاريخيا وجدليا مع السادة العدول في جميع شؤونه الضرورية واليومية والعدول منها، ومع ذلك تأبى الحكومة المغربية وللأسف أن رئيسها ينتمي الى حزب تاريخي مرجعيته الدين الإسلامي، ونذكره بمقاصد الشريعة والنقذ الذاتي للأستاذ علال الفاسي، إلى إبعاد السادة العدول من حقوقهم تحايلا على القانون المنظم للملكية المشتركة رقم 18.00 وهذه من الأمور التي لن يتنازل عنها العدول وسيظلون متشبثين بها وغيرها من المطالب التي سلبت منهم وأعطت محاباة لغيرهم لتوسيع الهوة بين مهن توثيقية منها ما هو أصيل وتاريخي ومنها ما هو حديث، والتاريخ يسجل ولا يرضينا أن يسجل عدم تطبيق العدالة والمساواة ليكون العدل في حاجة الى عدل.
بقدر ما ابتهج السادة العدول بحصولهم على هيأة وطنية لهم وهو المطلب الذي ظلوا متشبثين به ابتداء من المؤتمر الرابع عشر للعدول بولاية العيون سنة 1991 رسميا إلى أن تم تحقيقه في ظل تنظيم المهن مع قانون 16.03 سنة 2006 بالقدر نفسه خاب ظنهم في الهيأة الوطنية لعدم وجود رئيس وطني ومكتب تنفيذي قادر على تحمل المسؤولية الكاملة لكل المشاكل العالقة وإعطاء تصور وبرنامج مستقبلي، سواء في المكتب السابق أو الحالي، بل ازدادت المشاكل والعراقيل تعددا وتنوعا في ميدان التوثيق، منها بالخصوص العرقلة اليومية وتعطيل مصالح المواطنين من طرف النساخ، مما أجج غضب على العدول في كل المحاكم على هذا المولود الذي حملته الوزارة الوصية ظهر السادة العدول عنوة ضد مصلحة المهنة والمواطنين والكل في غياب تام للهيأة الوطنية سواء في رئيسها أو في مكتبها التنفيذي السابق والحالي لاتخاذ الموقف اللازم والموحد على الصعيد الوطني، والتصدي بحزم بقوة لهذا المولود المنسوب إلى العدول حتى ترجع الحقوق إلى أصحابها. كما أن التفرقة والتشتت سادت ساحة العدول بعد أن كانوا بالأمس القريب أسرة واحدة محافظين على حقوقهم وحقوق المواطنين وغير مختلفين في عملهم بالنظام العام، وذلك راجع للغياب وعدم التواصل مع السادة العدول وإخبارهم بالمستجدات عبر الاستئنافيات وليس تفريقهم وبث العداوة والبغضاء بينهم، كما ثبت على بعضهم من أجل مصالح شخصية ضيقة وصاروا حديث السادة العدول لهذه الفتنة التي بثوها بين الاخوة وفي مقابل هذا التقصير والعجز البين عن تدبير المرحلة سعوا إلى حيل اخرى.
ومن ذلك اجتهاد رئيس الهيأة الوطنية والمكتب التنفيذي بتقديم شكاية إلى الوكيل العام بالرباط برئيس أعضاء جمعية عدول استئنافية الدارالبيضاء، بخصوص المقالات المنشورة بجريدة الصباح وترهيب العدول بالمتابعات، وكذا رفع دعوى قضائية ضد الجمعية قصد حلها، ليتضح بجلاء للجميع العقلية والقناعة التي يؤمن بها رئيس الهيأة الوطنية وأعضاء المكتب التنفيذي من إقصاء للآخر وتكميم الأفواه وتسييد الرأي الواحد ومصادرة حق السادة العدول في الحرية والتعبير في مصيرهم وهذه عقلية معروفة عند أشخاص معروفين لا تؤمن بالحوار وإنما تؤمن بفكر الزوايا والطرقية، حيث سيادة الشيخ والباقي مريدون وأتباع بينما نجد وخلال المتابعة للجمعية العامة لهيأة عدول المغرب المنعقدة بالرباط بتاريخ 4 و5 يونيو 2011 بالمعهد العالي للقضاء وجود عدول لهم من الكفاءة والقدرة والتجربة ما يمكنهم من أن يكونوا في الواجهة ويسعون الى الدفع بمهنة التوثيق الى مصاف المهن المتقدمة دوليا والرقي بها إلى أعلى الدرجات.

بقلم: ادريس العلمي: الكاتب لجمعية عدول استئنافية الدارالبيضاء

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق