خاص

بانوراما الصيف: القضاء في تاريخ المغرب (الحلقة التاسعة)

تعيين القضاة على عهد العلويين

قوة الأمم تقاس بقوة قضائها. كثيرا ما يعرج المؤرخون على القضاء وأشكال تطبيقه، في بحوثهم حول في محاولة لفهم الأمم وتطورها، فالقضاء هو المرآة التي تعكس وجه الشعوب والتطور الذي حققته.
ومع التطور التاريخي الذي شهده المغرب منذ قرون خلت، كان السؤال المطروح دائما هل كان يتمتع بقضاء منظم وفق معايير

مضبوطة، أم أنه كان الاحتكام فقط إلى الأعراف والتقاليد، للفصل في النزاعات؟ هل كانت كل المناطق المغربية تحظى بوجود محاكم؟ وغيرها من الأسئلة التي نحاول من خلال هذه الحلقات إيجاد جواب لها بالحديث عن القضاء في المغرب، قبل عهد الحماية وأنواعه، ثم فترة الحماية وما حملته من تغيير للتنظيم القضائي بإحداث محاكم عصرية ومحاولة طمس بعض أنواع القضاء، وفترة الاستقلال.

درج المغرب على النظام القضائي الإسلامي في خطوطه ومبادئه العامة، مع خضوعه بين الفنية والأخرى للتطورات السياسية الطارئة مثلما هو الشأن في مناطق إسلامية أخرى تأثرت بالنزعات المذهبية للحكام.
ظلت السلطة القضائية العليا مبدئيا من اختصاص الملك، بوصفه أمير المؤمنين، غير أن الملك نادرا ما يتدخل في غير الجنايات الكبرى والجرائم السياسية، ومعنى هذا أن السلطة القضائية احتفظت باستقلال كبير عن السلطة السياسية العليا بوجه عام، مع تأرجحها بين التبعية والاستقلال من الوجهة الإدارية بالنسبة إلى ولاة الأقاليم.  
ويوجد في أعلى السلم القضائي قاضي القضاة الذي يعينه العاهل بظهير ويستقر في العاصمة، ويتولى في الظروف الطبيعية تعيين سائر القضاة أو الموافقة على ترشيحهم.
ومن الذين تولوا المنصب السامي أبومدين المكناسي بمكناس في عهد المولى إسماعيل،  ومحمد بن العياشي  وكان أيضا في عهد المولى إسماعيل، وتولى المنصب نفسه بمراكش، وعبد العزيز البوعبدلي في عهد السلطان محمد الثالث.
ويطلق على القاضي الرئيس بالعاصمة لقب قاضي الجماعة، وحينئذ يقوم مقام قاضي القضاة ويعين أو يعزل القضاة الآخرين  الذين يرتبطون جهويا بالعاصمة، وفي الواقع، كان المغرب في هذه الفترة يتوفر على ثلاث عواصم (فاس  ومكناس ومراكش)، يختار الملك المقام بإحداها أو يتنقل بينها،  ومن ثم فان لكل منها قاضي جماعة. وإذا كان قاضي القضاة أو الجماعة يرشح للتعيين من دونه من القضاة، فان هؤلاء أيضا يعينون بظهير .
وحظي القضاء بأول محاولة تنظيمية في عهد السلطان محمد الثالث، فقد أصدر سلسلة من الظهائر والمنشورات تحدد الاتجاه المسطري لتطبيق المذهب المالكي والتشريعات المرتكزة عليه، وجاء في المنشور الأول ما يتعلق بالترجيح بين أقوال المذهب وموقف القاضي.
وتؤكد الظهائر الملكية حقوق الفئة الضعيفة التي تكون الأغلبية الساحقة من المجتمع، كما تؤكد حقوق المرأة مثلما هو الشأن في مختلف فتاوى الفقهاء المالكية بالمغرب، والتي تحذر من انتهاك الزوج لحقوق زوجته.   
ويتضح من نص الظهير الملكي الذي يعين القاضي مدى الاستقلال الشخصي للقاضي في اتخاذ الأحكام طبقا للشريعة، وهكذا فهو «يطالع الرسوم ويفاصل الخصوم ويحكم في القضايا الشرعية بما أراه الله فيها، «ومع هذا فعليه بالتحري والتزام المشهور من مذهب مالك ، وتحث التعليمات العليا باستمرار على ضرورة الالتزام بالشرع تجاه المسلمين وغيرهم على السواء، وعلى العامل أن يسهل مهمة القاضي وان يحترم قرارته. فالقاضي كان فاعلا في مختلف نواحي المجتمع بحيث لا نبالغ إذا قلنا: أنه لم يكن هناك جانب من جوانب الحياة الدينية والاجتماعية والاقتصادية إلا وكان داخلا في نطاق صلاحياته القضائية .
ففي المدن كانت المحاكم الشرعية تبت في نهاية المطاف بكافة المسائل المتعلقة بأهل المدينة، مثل علاقات الأفراد في ما بينهم، وعلاقاتهم مع السلطات التنفيذية، ثم الأعمال الحرفية والشؤون البلدية .
فعلى سبيل المثال لا الحصر وضع قضاة المذهب المالكي في المغرب العربي مبادئ للشؤون البلدية، وسجلات ودفاتر المحاكم الشرعية التي لا حصر لها تزودنا لمعلومات عن التطبيق اليومي للمبادئ البلدية التي وضعها هؤلاء القضاة. والصلاحيات التي كان يمارسها القضاة التي تراوحت بين تحديد شروط البناء والسكن، كالتي تتصل بالأمن والسلامة والضجيج وتعكير الصفو، وحجب الأنظار، وتنظيم الحارات وتدبير شؤون الحرفيين، وما شابه ذلك من أمور  .

كريمة مصلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق