خاص

بانوراما الصيف: تجارة النساء…الوجه الجديد للاسترقاق (الحلقة الثانية)

فلسطين وإسرائيل وما تخفيه الحرب

تغوص الكاتبة والصحافية المكسيكية ليديا كاتشو، في كتابها، «تهريب النساء»، في العالم المظلم لتجارة الجنس، لتظهر أن القوانين والمواثيق العالمية لم تتمكن من الوقوف في وجه ظاهرة استرقاق البشر، في شكلها المتمثل في الاستغلال الجنسي للنساء والفتيات الصغيرات، والتي أضحت تتخذ أشكالا أكثر تنظيما تشرف عليها «مافيات» منظمة، وتحظى، في

أحيان كثيرة، بحماية السلطات الرسمية.  ولأجل ذلك، جابت كاتشو ثلاث قارات في تحقيق دام خمس سنوات، استمعت خلاله إلى المهربين والضحايا اللواتي يتحول كثير منهن إلى مستغلات، والوسطاء والزبناء وأعضاء في المافيا والجسم العسكري والسلطات العامة، التي تتفشى في أوساطها الرشوة بشكل كبير، كما التقت أيضا ضحايا تمكن من الخروج من مستنقع الاستغلال الجنسي.
تورد «الصباح» في هذه الحلقات مقتطفات من رحلة كاتشو، التي قادتها إلى تركيا وفلسطين وإسرائيل واليابان وكمبوديا وبيرمانيا والفييتنام والأرجنتين والمكسيك، واستقت منها أزيد من مائة شهادة صادمة في بعض الأحيان، تؤكد العلاقة ما بين غنى وسلطة المستغلين، والفقر والفروق الاجتماعية التي يعانيها الضحايا.

في فلسطين وإسرائيل، تغطي أخبار القتلى والمستوطنات والاحتلال والحصار، على كل ما تخفيه الحرب من مآس أخرى قد لا تقل خطرا وأهمية عنها. «لن يعي العالم أبدا الحقيقة إذا لم يفهم أن النزاع لا يمكن أن يحل طالما هناك عدم مساواة في السلطة والمال والسلاح والأفكار، وأن على النساء الخضوع لسلطة الرجال الذين يسيرون، وبيع أرواحهن والقبول بالاحتلال»، تقول المغنية الفلسطينية ريم البنا، التي جعلت صوتها وسيلة لحمل رسالة السلام والدفاع عن المرأة الفلسطينية.
عندما تسأل ريم عن حقيقة تعرض النساء والفتيات الصغيرات للاختطاف والبيع في ظل الحرب، تقول» نعم، فالحرب تفتح الباب لكل المآسي. لهذا أغني للأمل، لا يجب أن نفقده أبدا».
في فلسطين وإسرائيل، وعلى عكس دول أخرى، فإن الدعارة ليس فقط غير قانونية، بل إنها تعتبر عملا لا أخلاقيا يتنافى والمبادئ الأخلاقية للدولتين، سواء على المستوى الديني أو الاجتماعي. لكن هذا لا يعني أبدا أن الدعارة غير موجودة في المنطقة، لكنه يصعب دراستها والاقتراب منها نظرا للظروف السرية التي تمارس فيها، مثلما هو الأمر في إيران والعراق.
إن التمييز الذي تعانينه النساء الفلسطينيات متجذر في الثقافة المحلية للبلد. في فلسطين، تنفي منظمات حقوق الإنسان وجود مشكلة استعباد النساء واستغلالهن جنسيا، ما عدا منظمة واحدة، تعمل بشكل سري تجنبا للانتقاد.  فالتمييز الجنسي والعقلية الذكورية السائدة يجعلان التحقيق في مثل هذه الأمور في غاية الصعوبة، خصوصا إذا كانت تقوم به نساء مثلي، عليهن لقاء السلطات الأمنية والعسكرية، الذين لا يبدون استعدادا للحديث عن أمور «غير أخلاقية» مع الغرباء.
زايدة، امرأة فلسطينية تقدم المساعدة للنساء ضحايا العنف داخل منازلهن، سبق أن نددت باختفاء فتيات صغيرات، وتؤكد أن عددا كبيرا من المراهقات والفتيات الصغيرات يتعرضن للاختطاف والاستغلال الجنسي، وأحيانا أخرى، يتم الاتجار بأعضائهن.  الدراسة الوحيدة في هذا المجال، قامت بها منظمة «سوا»، التي تهتم بحماية النساء من العنف الأسري، تتحدث عن فندق صغير في مدينة القدس، تم تحويله إلى منزل دعارة بعد تعرضه لمشاكل مالية. تم جلب 14 امرأة تتراوح أعمارهن ما بين 14 و28 سنة تم جلبهن بطريقة غير قانونية من قطاع غزة إلى الضفة الغربية، للعمل متسولات نهارا وفي الدعارة ليلا، يلبين رغبات زبناء يدفعن ما بين 6 و41 أورو، حسب «خبرة» و»جمال» الفتاة.
وتتشابه الطرق التي يتم من خلالها استقدام الفتيات بنظرياتها في باقي مناطق العالم. إذ يتم بيع الفتيات والمراهقات من طرف قريب لهن إلى منزل دعارة، حيث يتم تهديدهن بنشر صور لهن ذات طبيعة بورنوغرافية خلال تعرضهن للاغتصاب، وهي الطريقة الأكثر نجاعة لجعل الفتيات يخضعن لأوامر المهربين، لأن الأمر يتعلق بشرف العائلة والفتاة نفسها، الذي يشكل أمرا بالغ الأهمية في فلسطين.
في إسرائيل، هناك فرق واضح بين المتشددين دينيا والليبراليين. ولهذا السبب، يضم البلد عددا أكبر من الممارسات للدعارة ويبرز فيه بشكل كبير الاستغلال الجنسي للنساء غير اليهوديات. وتؤكد الدراسات أنه كلما كان البعد الديني قويا في بلد ما، كلما كان البلد أقل حزما في التعامل مع الاستغلال الجنسي لنساء من أعراق وأديان أخرى.
سنة 2000، صادق الكنيست على قانون يجرم الاستغلال الجنسي للنساء والفتيات الصغيرات، والذي يوازي بين الدعارة والاستغلال الجنسي. وأعلن وزير الأمن الداخلي يزحاق أهارونوفيتش سنة 2009، أمام الكنيست، أن الحكومة بصدد مراجعة قانون يهدف إلى تشديد العقوبات في حق الوسطاء الممارسين «للقوادة» والزبناء، والتي تصل إلى 16 سنة حبسا، كما أعلن تشديد المراقبة على دور الدعارة.
وفي الوقت الذي تعلن فيه الشرطة تحديد 2000 ممارسة للدعارة، تتحدث منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية عن أزيد من 20 ألف عاهرة في إسرائيل، غالبا ما يصلن إلى إسرائيل تحت التهديد، حيث يتم احتجازهن من طرف المهربين الذين يحتفظون بكل وثائقهن الرسمية. وحسب رئيس قسم محاربة الاستغلال الجنسي للنساء في الشرطة الإسرائيلية، فإن النساء اللواتي يجبرن على ممارسة الدعارة يتمتعن بأوضاع أكثر إنسانية من الماضي. وتتوفر إسرائيل على الأرقام الرسمية الأكثر إيجابية في ما يتعلق بمحاربة الاستغلال الجنسي للبشر، فحسب تقرير الشرطة الوطنية أمام الكنيست سنة 2009، فإنه «عند بداية العمل في تحديد ضحايا الاستغلال الجنسي، فإن عددهن كان يناهز 3000 ضحية. اليوم، لا يتجاوز عددهم العشرين». هذه الأرقام، وإن كانت مشجعة، فإنها تظل محل تشكيك من قبل جمعيات حقوقية تقر بالمجهودات المبذولة، لكنها تؤكد أن الطريق ما زال طويلا.

صفاء النوينو

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق