دوليات

الانتحار البطيء للنظام السوري

أضر بقضيته من خلال القمع الوحشي واقتراح إصلاحات جزئية

«الاحتجاجات الشعبية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط: انتحار النظام السوري على إيقاع بطيء»، هو الجزء الثاني من تقرير على جزءين أعدته مجموعة الأزمات الدولية، يدرس مقاربة النظام للأزمة. رغم أن النتيجة غير أكيدة، إذ أن العديد من السوريين ما زالوا يخشون انتشار الفوضى والصراع الطائفي في حالة حدوث تغيير مفاجئ، فإن النظام أضر بقضيته من خلال ممارسته القمع الوحشي، واقتراحه إصلاحات جزئية وتبديد صدقيته.
يقول بيتر هارلينغ، مدير مشروع العراق وسوريا ولبنان في مجموعة الأزمات، «إن النظام في محاولته اللحاق بمطالب المحتجين، كان دائما متأخرا خطوة، باقتراح إجراءات كان يمكن أن تلقى صدى لو أنها اقترحت قبل ذلك، لكنها تقع على آذان صماء عندما تطرح. يكون المتظاهرون قد انتقلوا إلى أمر آخر. إنهم لا يسعون إلى إصلاح النظام، بل إلى تغييره».
بزرع النظام للمخاوف من عدم الاستقرار، فإنه يسعى إلى وقف التعبئة الشعبية وردع أعتى منتقديه. لكن في حين يبدو أن هذا أحدث الأثر المطلوب على بعض السوريين، فإن جرد الحساب كان سلبيا في مجملها من وجهة نظر السلطات. لقد خلق أداء الأجهزة الأمنية الوحشي في معظم الأحيان من المشاكل أكثر مما حلّ، إذ أن من شبه المؤكد أن العنف كان السبب الرئيسي وراء تنامي الحركة الاحتجاجية حجما وراديكالية.
لقد وصل الوضع إلى طريق مسدود في ما يبدو، لكن من الخطأ المراهنة على القدرة باستمرار الوضع الراهن. الظروف الاقتصادية تزداد سوءا، وإذا وصلت إلى نقطة الانكسار، فإن النظام قد ينهار. أفراد قوات الأمن، ومعظمهم من العلويين، يعملون أكثر من طاقتهم، ويتلقون رواتب متدنية وهم قلقون على نحو متزايد. قد يستنتجون أن النظام لا يمكن إنقاذه فينشقون، مما سيسرع في نهايته.
خيارات المجتمع الدولي محدودة. التدخل العسكري سيكون كارثيا، ويمكن أن يتسبب في إشعال حرب أهلية، مما سيحدث مزيدا من عدم الاستقرار، وسيكون في مصلحة نظام طالما صور الانتفاضة على أنها مؤامرة خارجية. يمكن للعقوبات على مسؤولي النظام أن تكون مفيدة، إلا أن المضي فيها إلى أبعد من ذلك واستهداف القطاعات الاقتصادية التي من شأنها أن تؤذي المواطنين السوريين العاديين سيحدث أثرا عكسيا. يمكن لإدانة الدولية أن تبقي الأضواء مسلطة على انتهاكات حقوق الإنسان، وربما ردعها، لكن هذا كل ما ستحققه، في وقت يظل فيه عدد من السوريين على الحياد، فإنهم قد يرون في توصل المجتمع الدولي إلى قرار قبل الأوان بأن على بشار أن يذهب تدخلاًغير مقبول في شؤونهم. إذا سقط النظام، سيتوجب على السوريين أن يبدؤوا من الصفر تقريبا. لا يمكن بجيش ضعيف متدني المعنويات أن يكون العمود الفقري لدولة ناشئة. الشرطة فاسدة ولا تحظى بالشعبية، وكذلك النظام القضائي.
الأعضاء المنتخبون إلى البرلمان لا يمثلون أحدا، في حين أن المعارضة في المنفى ستظل موضع شك من قبل أولئك الذين ظلوا في الداخل. لكن، ورغم أن خطوط التماس العرقية والطائفية عميقة، فإن هذا لن يحكم على البلاد بالوقوع في أتون الحرب الأهلية بالضرورة. لقد أظهر الشعب السوري مقاومة لافتة للميول الطائفية الانقسامية، متحديا بذلك نبوءات النظام بالفتنة الطائفية والأسلمة.
يقول روبرت مالي، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجموعة الأزمات، «لا شك أن ثمة مخاطر كثيرة، لكن إذا كانت الانتفاضات العربية هي حكاية مجتمعات تأخذ مستقبلها بأيديها، فإن الشعب السوري لا يستحق قدرا أقل من الاحترام من أي شعب آخر لحقه بذلك وقدرته على القيام به».

عن «النهار» اللبنانية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق